فهرس الكتاب

الصفحة 4207 من 27364

بعد عولمة المهرجانات الرياضية في العالم، وفرضها على عالمنا العربي تأتي مرحلة عولمة مهرجانات الفن الرخيص بكل أشكاله.

فضمن إطار فرض الميوعة واللهو الماجن، وعولمة الفن الإباحي وتمجيد نجومه، تأتي صرعة إلهاء الشعوب في عملية منظمة، وتيار جارف يتميز بعقد المهرجانات والاحتفالات الجماعية المختلطة بكثافة، وتأتي هذه المهرجانات متتابعة بصورة متجددة لم تشهد لها الإنسانية مثيلاً من قبل.. كل ذلك تحت شعار الثقافة والتنمية والانفتاح!

وربما بلغت هذه الظاهرة أوجهها في السنوات الأخيرة تمهيداً لدخول الألفية الثالثة..

ففي أرض الكنانة"مصر"تعقد مهرجانات فنية وسينمائية وشعبية في مدن عدة، مثل مهرجان الإسماعيلية للفنون الشعبية، والذي بدأ أعمال دورته الثانية عشرة أمس 24 أغسطس بمشاركة 33 دولة، وفي صيف عام 1998م استخدمت خمس شاشات عملاقة في الشوارع والميادين الرئيسية لإتاحة الفرصة للناس لمشاهدة فعاليات المهرجان في الطرقات! هذا عدا مهرجانات القاهرة والإسكندرية التي تقام سنوياً خلال فصل الصيف.

وفي فلسطين التي ما زالت جراحها تنزف بغزارة تقام مهرجانات الفن الرخيص تحت رعاية وزارة الثقافة التابعة للسلطة الفلسطينية لإلهاء جيل الانتفاضة، وتعميم الفساد، وتحقيق ما لم يستطع اليهود تحقيقه، مثل مهرجان رام الله الذي أطلق عليه سنة 1998"ليالي صيف 98"، ولاننسى مهرجان"الغناء الإسرائيلي"الذي أقيم في نابلس، والذي أحيته المغنية اليهودية"زهافابن"باللغتين العربية والعبرية.

أما الأردن فمهرجان جرش خير شاهد، فهو بالرغم مما يعرض فيه من اللهو والعبث والغناء والرقص المبتذل، وبالرغم من الخسائر المادية التي تتحملها الدولة في استضافتها لمئات الفرق من شتى الدول، فإنه ظل ينعقد حتى في أحلك الظروف التي منها حرب الخليج الثانية، حيث تم بالرغم من المعارضة الشديدة من قبل كافة الأوساط السياسية والاجتماعية!

بل إن الأمر تعدى ذلك المهرجان لتُقام على غراره مهرجانات أخرى في الفحيص والبتراء ومأدبا والبحر الميت، ومهرجان شبيب في مدينة الزرقاء.

ولم تكن سوريا بمنأي عن هذه الظاهرة، إذ يقام سنويا في أغسطس على شواطيء مدينة اللاذقية مهرجان"المحبة"الذي تشارك فيه فرق للغناء والرقص من دول عربية وأجنبية مختلفة، وتقدم في المهرجان عروض مختلفة ومتنوعة بعيداً عن الحشمة والحياء.

ومن أغرب التعليقات على هذا المهرجان ما صدر عن الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة سنة 1998م حيث قالت:".. المحبة في تجذرها الأصيل تهزم البغض، فالحقيقة تهزم الباطل أبداً، لأن الباطل كان زهوقاً، وهذا من التنزيل الإلهي لقوم يعقلون"!

ولست أدري كيف وصلت إلى هذا التأويل، وكيف صارت مهرجانات الابتذال والتقاء الجنسين على الخنا حقاً يهزم الباطل، ولا أعلم المراد بالباطل في اعتقادها!

أما في العراق التي تعيش حالة من الفقر والبؤس لم تصل لمثلها من قبل، فهناك مهرجان بابل الثقافي الذي بدأ عام 1987، وهنيئاً لشعب العراق بملهاته التي ستخفف كثيراً من معاناته في ظل حكامه المغاوير.

وللقاريء أن يتساءل عن حجم الإنفاق على مثل هذا المهرجان، في الوقت الذي يشيع الناس هناك كل يوم عشرات من الأطفال الذين يموتون نتيجة سوء التغذية، وانعدام الحليب، وندرة الأطعمة.

أما مهرجانات لبنان فحدث ولاحرة، حيث المهرجانات الفنية في بعلبك وشواطيء بيروت بمشاركة عشرات الفرق العربية والأجنبية، وما يتخللها من عروض وغناء ورقص.

ومن أشد هذه المهرجانات غرابة مهرجان دير القمر، الذي يعدونه احتفالاً صوفياً نغمياً مشرقياً تحت عنوان"سماع من بشارة مريم"ينطلق من نصوص من القرآن، والإنجيل والأحاديث القدسية، ونصوص صوفية من"آفرام السرياني، ومكسيموس المعترف، وابن عربي، وابن الفارض، والمعلم إيكهارت"، أي من الإسلام والمسيحية في خلطة عقدية وتخبط فكري لم يعرف مثله من قبل، حيث يزعمون أنه"حفل تصوفي يقارب السرّ الذي بُشرت به مريم العذراء، ويتخذ منه نموذجاً للنفس البشرية المتلطفة التي تتوق إلى الاتحاد بنور الله"أي عقيدة الحلول والاتحاد الفاسدة وقد تمت فعاليات المهرجان لأول مرة يوم 13 أغسطس 1999م.

والغريب في بلادنا أن هذه المهرجانات تعد إنجازات حكومية عظيمة لايمكن التراجع عنها مهما ألمَّ بالأمة من مصائب، ومهما لحق بها من هزائم، والهزيمة الحقيقية في اعتقادهم تكمن في إلغائها استجابة للعلماء والدعاة الحريصين علي مصلحة البلاد والعباد.

ولم يقتصر الأمر على عقد مثل هذه المهرجانات في بلادنا فحسب، بل تعداه لإرسال فرق"الفن العربي"لأوربا وأمريكا والكيان الصهيوني، وذلك لتحقيق الانفتاح بشكله المطلوب، ولتنفيذ مخطط عولمة الفن ... حيث تفخر فرقنا الفنية الراقصة بالمشاركة في مهرجانات عالمية، تعلم من خلالها الأوربيين الرقص الشرقي. والمضحك المبكي أن ذلك يتم بحجة إطلاع الأمم والشعوب على مميزات ثقافتنا ومعالم حضارتنا الفنية!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت