ومن المهم الأخذ في الاعتبار البعد القومي للثروة العربية وتحقيق العدالة في توزيعها ليس عن طريق اقتسامها كما يحلو للبعض أن يزايد بل عن طريق توظيفها في المنطقة العربية لتنميتها وخلق فرص عمل جديدة وتحقيق تنمية مستقلة.
الاستقلال الوطني والقومي
وإذا تحققت المحاور السابقة متضافرة ومتداخلة فإن الاستقلال الوطني والقومي يكون قريب المنال متحققاً في الواقع، وحينئذ ستقل التدخلات الخارجية في شؤون الأمة ، وسيكون الأمن الوطني والقومي مكفولاً كما الأمن المائي والغذائي، كما التماسك الوطني والقومي، وحينئذ وفي ظل بنية أساسية متوفرة يمكن تحقيق الأمن الثقافي في المجالين المدني والعسكري كما سيسهل بناء قدرة قتالية عربية في سياق بناء قدرة استراتيجية شاملة لاتقتصر فقط في مجال إنتاج السلاح، ولعل ذلك كله سيصب في صالح مواجهة المشروع الصهيوني المضاد لأي نهضة للأمة العربية كما سيكون بالإمكان مواجهة الهيمنة الأجنبية حيث ستتوفر إمكانات لبناء قدرات تفاوضية جيدة من موقع القدرة والقوة والوحدة لا على المستوى السياسي فقط، بل أيضا،وهو أهم، على المستويين الاقتصادي والثقافي مع مؤسسات النظام العالمي الجديد والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الدولية، وإذا استطعنا أن نحقق نهضة شاملة في الأمة العربية فإنها ستتطلع إلى القيام بدور حضارى على مستوى العالم (سماه حسن البنا من قبل: أستاذية العالم) وهذا يحتاج إلى رسالة للأمة العربية تريد نشرها كما للأمم الأخرى، فاليوم تواجهنا عولمة أمريكية برسالة عالمية تدور ظاهراً حول الإنسان وتزعم أنها تريد تحقيق أكبر قدر من الحرية له عن طريق حفظ حقوقه وتمكينه من إرساء الديمقراطية إلا أن ذلك كله يخفي مطامع ومصالح تتحطم أمامها كل الشعارات البراقة، وليس هذا موضوعنا الآن لكن المهم أن تحديد هذه الرسالة يحتاج إلى ما يسميه المشروع"التجدد الحضارى"لأنه من غير المعقول أن يتبنى مفكرون غربيون نظرية"صِدام الحضارات"باعتبار وجود فعال للحضارة الإسلامية بينما نحن لم نستأنف إعادة بناء حضارتنا الإسلامية بعد، ولا يمكن بناء حضارة إسلامية حقيقية إلا على أساس وحدة عربية ونهضة عربية لأن العرب هم معدن الإسلام وحملة رسالته الحضارية قديماً وحديثاً.
مصالحة
لذلك كله كان لابد من مصالح تاريخية بين التيار القومي و التيار الإسلامي ثم العمل على إحياء الثقافة العربية المشتركة وإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية مع الاهتمام بالحرف العربي الذى يكتب به قرابة 300 مليون نفس من غير العرب.
وفي ظل تخوفات مشروعة من الانعزال والتقوقع لابد من الاهتمام بأمرين:
الأول: التنوع الثقافي داخل الأمة واعتباره مصدر ثراء وغنى وليس مصدر فرقة وشتات.
الثانى: الانفتاح على العالم بترجمة المعارف الأحدث على نطاق واسع والاستفادة بتجارب الآخرين.
وهذا سيحقق للأمة اغترافاً ذكيًّا من الدوائر الحضارية الأخرى بل والإسهام في بناء حضارة عالمية إنسانية تحترم التنوع وتلتزم التعددية الحضارية وتحقق التفاعل بين الحضارات عن طريق حوار متكافيء لا صِدام، كل ذلك سيكون مشعل هداية للإنسان، عموم الإنسان، وهذا ما يريده الإسلام.
إننا بحاجة إلى بناء نسق قيمي متوازن يحدد للمواطن العربي دوائر العمل المطلوبة منه على مستوى الفرد والجماعة الصغيرة والمجتمع والدولة والأمة ودولة الوحدة .
نحتاج كما يقول مالك بن نبي إلى مزج العناصر التى تكون الحضارة: الإنسان والوقت والتراب لننطلق من نير البقاء في أسر التبعية والذيلية إلى أفق الحضارة والنهضة.
وهذا دور الطليعة الفاعلة من أفراد ومفكرين وسياسيين وأدباء وجماعات مصالح وقوى سياسية واجتماعية التي يقع عليها عبء استنهاض همم الأمة لتحقيق الإقلاع بمشروع النهضة.
نحتاج إلى علاقة طبيعية بين هذه القوى الفاعلة وبين نظم الحكم فإن لم تتبن مشروع النهضة وهذا حلم ليته يتحقق ولو جزئيا فلا تتخذ من الإجراءات ما يقوضه ويعطله.
دعونا نفكر ونعمل وليس فقط نتأمل ونحلم.