مجلة البحوث الإسلامية - (ج 13 / ص 466)
(الجزء رقم: 14، الصفحة رقم: 208)
صفحة فارغة
(الجزء رقم: 14، الصفحة رقم: 209)
بسم الله الرحمن الرحيم
د . محمد بن سعد الشويعر
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد: .
فمنذ خلق الله الإنسان والصراع قائم بينه وبين الشيطان ، ثم ازداد الأمر مع ذريته . الشيطان وأعوانه من الجن والإنس ، يريدون إغواء بني آدم وصرفهم عن المنهج القويم . ونصب الحبائل لإبعادهم عن أمر الله وشرعه ، وعن طاعة رسله واتباع كتبه التي أنزل ، والمؤمنون من بني آدم يأتمرون بأمر الله ويتبعون رسله ويعملون بما أنزل عليهم ، فهم عباد الله المخلصون له ، الذين حماهم الله من الشيطان وحبائله ، وأشد الناس عداوة وحسدا للمسلمين هم اليهود والذين أشركوا ، وذلك لعداوتهم لله وتحديهم لرسالاته ووقوفهم ضدها ، وكراهيتهم لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام ، يقول الله تبارك وتعالى مخبرا عن اليهود وعدائهم للمسلمين ، وأنهم متلازمون في هذا يعنى اليهود مع الملاحدة وعبدة الأوثان سورة المائدة الآية 82 لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ سورة المائدة الآية 83 وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ .
ويقول تبارك وتعالى مخبرا عما حل بهم بعد أن تجاوزوا الحد في المعصية والمعاندة: سورة البقرة الآية 61 وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ .
وكما حرص اليهود في بث السموم والعداء للديانة النصرانية ، وفي وقوفهم ضد عيسى والحواريين فإن مواقفهم مع صلى الله عليه وسلم في المدينة معروفة في كتب السير ، وسجلها التاريخ ، بل أبان القرآن نماذج من حوارهم وعنادهم في أكثر من موضع ، كما رصدت من قبل كثير من كتب النصارى وتأريخهم مواقف للعداء المستحكم بين اليهودية والنصرانية .
وبدءوا أسلوبا جديدا في حربهم للإسلام على يد عبد الله بن سبأ اليهودي الذي دخل الإسلام ظاهرا ، أما باطنه فكان الإضلال والمباعدة بين المسلمين ودينهم ، فأنشأ الفرقة البأية ، وكان مما فتن الناس فيه قوله: بأن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يقتل وإنما هو حي في السحاب ، ولو أتيتمونا بدماغه في سبعين صرة ما صدقنا موته ، ولا يموت حتى يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا انظر الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم ج5 ص 36 . .
حرك اليهود الجدل في تأريخ الإسلام منذ حل صلى الله عليه وسلم المدينة مهاجرا ، بل إن هناك أخبارا تعطينا الدلالة على اتصال اليهود بالمدينة - واسمها ذلك الوقت يثرب - بكفار مكة وإخبارهم ببعض الأمور التي تطرح أسئلة على رسول ا صلى الله عليه وسلم للتعجيز والحجاج ، لا للفائدة والوصول للحقيقة ، كالأسئلة التي وردت إجاباتها في سورة الكهف وهي مكية . لأن عرب الجزيرة قبل البعثة لم يكونوا أهل علم ، ولا معرفة بأحوال الأمم السابقة .
ولذا يؤدب الله جلت قدرته أمة صلى الله عليه وسلم ، بعد الهجرة للمدينة ، التي يسكنها قوم من أهل الكتاب في طريقة الحوار معهم ، والنقاش فيما يطرح من مسائل ، وهو اللين والرفق ، لينجذب طالب الحقيقة ، وتقوم الحجة على المعاند والمكابر ، فيقول سبحانه وتعالى: سورة العنكبوت الآية 46 وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .
ولما كان اليهود يضمرون العداء ل صلى الله عليه وسلم ورسالته ، فإنهم سلكوا طرقا ملتوية لإضلال الناس ، فحركوا في الأمم المغلوبة كالفرس والروم جذور دياناتهم السابقة ليأتوا بطرق ظاهرها الإسلام ، وباطنها محاربته للتشكيك فيه .
فظهرت الزندقة في العهد العباسي ، كما تحرك النصارى وبدءوا يطرحون شبههم ويحاولون الظهور على المسلمين ، وكان أول رد جدلي حسب ما وصلنا خبره رسالة الجاحظ في"الرد على النصارى"، وما ذكره
(الجزء رقم: 14، الصفحة رقم: 212)
المسعودي من جدل بين الرشيد وملوك الروم راجع مروج الذهب للمسعودي ج1 ص 365 - 374 . .