فهرس الكتاب

الصفحة 8339 من 27364

زيارة ساركوزي الجزائر.. مصالح فرنسا أولاً

الجزائر: فاروق أبو سراج الذهب

بوتلفيقة مع ساركوزي

فرنسا التي اغتاظت كثيراً لما وصفته ب"الزحف"الأمريكي والصيني باتجاه منطقة شمال إفريقيا، وفي الجزائر بالذات، سارعت في عهد ساركوزي إلى طرح مشروع"الاتحاد المتوسطي"لتعيد انتشارها والبحث عن منافذ جديدة لها في الضفة الجنوبية للمتوسط، بعدما استحوذت ألمانيا على كل الطرق المؤدية إلى دول أوروبا الشرقية، وبسطت الولايات المتحدة الأمريكية قبضتها على دول الساحل الإفريقي، في إطار مبادرة حلفها ضد الإرهاب.

لكن فرنسا ساركوزي، التي لا تريد ترك المجال أمام واشنطن وبكين، وتبحث عن عملاء لمشروعها الجديد القديم"الاتحاد المتوسطي"، لم تحمل في حقيبتها أي مشاريع جادة للمنطقة، بقدر ما تبحث عن تحويل الجزائر إلى سوقها التجاري الأول، وليس الاقتصادي، بصفة دائمة.

وتسعى للقفز على الماضي الأليم، من خلال تفضيل رؤية المستقبل فقط، عبر ضمان تدفق النفط وتحويل دول الضفة الجنوبية إلى شرطي، لمنع تدفق المهاجرين نحو أوروبا، وإشراكها مالياً في تنظيف بحيرة المتوسط من النفايات التي تنفثها مصانع أوروبا... وهي الركائز التي يعتمدها ساركوزي في بناء الاتحاد المتوسطي.

لقد نجح ساركوزي بمشروعه الجديد في دق آخر مسمار في نعش"معاهدة الصداقة الجزائرية الفرنسية"، التي طويت بصفة نهائية، والتي أثارت معارضة قوية في الجزائر من خلال"قانون 24 فبراير"الذي مجد استعمار فرنسا للجزائر، وقفز على مطلب الاعتذار الذي كانت تريده منه الجزائر.

فجاء ساركوزي ليؤكد عدم تقديم اعتذاره عن الماضي الاستعماري بذريعة؛"أنني لا أريد أن أتسبب في جرح مشاعر الفرنسيين"، ومن يقرأ هذه الجملة يخيل إليه أن الجزائر هي التي احتلت فرنسا! في حين تأجل البحث في ملف التعاون النووي حتى عودة ساركوزي إلى الجزائر في نوفمبر القادم، وكهدية للجزائر وقّع الرئيسان على اتفاق إنشاء جامعة جزائرية فرنسية.

الشرطي الجنوبي

وتأتي الزيارة في إطار السعي الأوروبي، وخاصة الفرنسي لضبط عقارب ساعة منطقة غرب المتوسط على مقاس احتياجاتهم وانشغالاتهم، والبحث عن الكيفية المناسبة لجعل دول الجنوب، ومنها الجزائر، تلعب دور الشرطي؛ من أجل تأمين جنوب أوروبا، وبقدر ما ستكون عليه استجابة أهل الجنوب المتوسطي، ستأتي مكافأة باريس.

وإن كان ملف الهجرة هو القنبلة القادمة، لما له من ارتباطات مع التهريب، وربما بعض مظاهر الإجرام، فإن باريس وأوروبا عموماً لم تقدما الحلول العملية لإقامة تعاون فعلي، وقرار باريس طرد حوالي 350 ألف مهاجر إلى الجزائر، يدخل فيما يمكن تسميته"النمط أو الأسلوب الذي تريده فرنسا في محاربة الهجرة السرية"، بدعم دول الجنوب مالياً، وطرد المهاجرين من أراضيها.

صراع فرنسي أمريكي صيني

ويتساءل المراقبون عن مستقبل العلاقة بين فرنسا ودول المغرب العربي في مقابل دخول كل من واشنطن وبكين على الخط، وعلى أي وتر تضرب القيادة الفرنسية عندما تقترح مشروع الاتحاد المتوسطي، في ظل وجود مشروع الشرق الأوسط الكبير، وقبله"اتفاقية برشلونة"و"مشروع المتوسطية".

وعندما زار ساركوزي منطقة المغرب العربي، كان على رأس أجندته مشروع مهم وهو"الاتحاد المتوسطي". وبين"الاتحاد المغاربي"و"الاتحاد المتوسطي"يقف ملف الصحراء الغربية على مسافة واحدة من كلا المشروعين.

فماذا يعني أن تؤجل المغرب دبلوماسياً زيارة الرئيس الفرنسي إليها؟ وما مستقبل مسار التسوية على الصعيدين الاقتصادي والسياسي؟

صعود الرئيس الجديد ساركوزي في فرنسا وما يحمله من رؤية لجمع دول شمال إفريقيا، تحت مظلة"اتحاد متوسطي"يقوى تدريجياً بهيمنة اليمين على المجلس النيابي الفرنسي، ويلقي على طاولة النزاع الصحراوي معطى جديداً، يتمثل في تسريع آلية التفاوض، ضمن الفضاء المتوسطي للتقريب بين الرؤى المتباينة.

صك على بياض

ولم تكتف الجزائر بإعطاء موافقتها على مشروع الاتحاد المتوسطى المقترح من قبل الرئيس الفرنسي، بل كشف نيكولا ساركوزي أن"الرئيس بوتفليقة أصبح مدافعاً شرساً عن هذا المشروع ومعه الرئيس التونسي زين العابدين بن علي"، وهو ما يعني أن ساركوزي، قد أخذ"صكاً على بياض"، حتى قبل أن تتضح جلياً معالم مبادرته؛ حيث أعلن نيكولا ساركوزي في ختام زيارته لتونس أنه تلقى الضوء الأخضر من الرئيس بوتفليقة؛ بشأن انضمام الجزائر إلى مبادرة"الاتحاد المتوسطي".. هذا الإعلان الذي قدمه ساركوزي بمثابة انتصار كبير للدبلوماسية الفرنسية في العهد الجديد، في وقت التزمت فيه السلطات الجزائرية الصمت، ولم تبد أي موقف بخصوص المشروع المطروح من طرف ساركوزي، في أعقاب زيارته القصيرة إلى الجزائر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت