فهرس الكتاب

الصفحة 7734 من 27364

ودع العالم القرن العشرين وسنواته الأخيرة مثقلة بأنواع التحولات في الدول والأحلاف، فقد شهدت السنوات العشر الأخيرة سقوط الاتحاد السوفيتي وتفككه، وتبع ذلك تفكك المعسكر الشرقي وحلف وارسو، وبذلك توقفت الحرب الباردة، فإذا بالولايات المتحدة الأمريكية تطل برأسها ساعية للاستئثار بالقرار الدولي من خلال ما أطلقت عليه"النظام العالمي الجديد"، ومن خلال ذلك عملت وتعمل أمريكا لتكون المرجعية البديلة عن هيئة الأمم المتحدة.

وشهدت هذه الحقبة بدايات نهوض الاتحادات القارية كالاتحاد الأوروبي، ودول شرقي آسيا، وهذا أزعج الولايات المتحدة الأمريكية التي لا ترغب بظهور قوة عالمية تنازعها القرار، ولعل ما حدث أثناء التفاوض لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر نيسان (أبريل) 1996 يشكل دليلاً واضحاً على هذا التنازع، حيث عمل وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر وبشراكة إسرائيلية لتعطيل فعل مساعي دوشاريت وزير الخارجية الفرنسي وبريماكوف الروسي ووزيرة خارجية إيطاليا أنيللي التي جاءت تمثل الاتحاد الأوروبي.

السنوات الأخيرة من القرن العشرين شهدت تضعضعاً في النظام العربي حيث المنازعات العربية - العربية، وكان أبرزها ما خلفه الاجتياح العراقي للكويت، هذا بالإضافة إلى الحوادث الداخلية في مصر والجزائر ولبنان، والحركات الانفصالية في جنوبي السودان وشمالي العراق.

هذا الواقع ترافق معه اتفاقية كامب ديفيد بين مصر والعدو الإسرائيلي، ومن ثم لاحقاً وبعد مدريد اتفاقية"أوسلو"مع أبي عمار، ووادي عربة مع الأردن، هذه الوقائع أسهمت في تراجع دور جامعة الدول العربية، وفي تدني الإمكانات العربية في رد ومواجهة التحديات على الأمة سواء التحدي الإسرائيلي ببعديه التوسعي والتقسيمي، أو التحديات الإقليمية كمشكلات المياه والجزر، أو التحديات الدولية وفي مقدمتها التحدي الأمريكي بقواعده وأساطيله وأطروحته في النظام العالمي الجديد من خلال مشروع حلف الشرق الأوسط وهو المشروع المشترك الأمريكي الإسرائيلي الاستعماري والتوسعي.

الولايات المتحدة الأمريكية وحاجتها للشرق أوسطية:

إذا كان الاتحاد السوفيتي السابق قد انهار بفعل عوامل متعددة أبرزها عداء النهج السوفياتي للدين والقومية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تعاني في ميادين عديدة اجتماعية واقتصادية تهدد كيانها، فالمجتمع الأمريكي يعاني من نتائج التميز العرقي الذي يخلف مع تعدد المذاهب والجماعات بنية المجتمع ووحدته، يضاف إلى ذلك مظاهر الفساد من الشذوذ إلى الأمراض وأشكال الانحراف وصولاً إلى إحصاءات نشروها تفيد بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي يسكنها ما بين 4 إلى 5 بالمئة من سكان المعمورة تستهلك 50 بالمئة من المخدرات المنتجة في العالم.

ومجتمع الولايات المتحدة الأمريكية والأرقام من أوائل التسعينات ينتشر فيها بين أيدي المواطنين 120 مليون بندقية و60 مليون مسدس، ويذهب فيها نتيجة جرائم ثأرية 19000 قتيل سنوياً [1] .

والاقتصاد الأمريكي مثقل بالديون والأعباء، والعجز يزداد عندهم عاماً بعد عام، ولعله من المفيد لفهم مقدار الأزمة الاقتصادية الأمريكية أن نورد هذا الكلام من كتاب بول كنيدي:"الاستعداد للقرن الحادي والعشرين"الذي تمّ تأليفه عام 1992؛ وفيه:

"تبلغ دفعات الفوائد على الدين القومي 300 مليون دولار سنوياً وتشكل 15% من المصاريف الحكومية، وكما لاحظ المحرر الاقتصادي لجريدة (وول ستريت جورنال) تتجاوز دفعات الفوائد الآن كل المبالغ التي تدفعها الحكومة على الصحة والعلم والقضاء والزراعة والإسكان وحماية البيئة والإدارة العدلية، بالطبع لا يحتمل أن تزداد هذه المصاريف على حساب نفقات حكومية أخرى فحسب ولكن دفعات الفوائد تذهب عادة إلى مالكي السندات الحكومية الأجانب مما يؤدي إلى نقصان الثروة الأمريكية أكثر فأكثر."

لم يكن الدين القومي هو الوحيد الذي تضخّم في الثمانينات بل وكل شيء آخر من الدين، فمنذ عام 1986 بدأت حكومات الولايات والحكومات المحلية تعاني عجزاً، ولقد فاقم هذا الاتجاه تقليص المنح الفيدرالية، أما ديون المستهلكين التي حفزتها القروض السهلة فقد وصلت إلى 4 تريليون دولار، بينما قلّصت الدفعات على القروض المداخيل الفردية، وكان دين الشركات المساهمة أكثر سوءاً، فحالما بدأت فترة التسعينات ذهب حوالي 90% من مجمل دخل الشركات المساهمة الأمريكية بعد دفع الضرائب لدفع الفوائد على ديونها" [2] ."

إن الأزمات والإشكالات التي يعاني منها مجتمع الولايات المتحدة الأمريكية تدفع قادة أمريكا إلى البحث عن مصادر للثروة ينهبونها ويصادرونها ليحلوا بها أزماتهم، كما أنهم يعملون من خلال تفجير التناقضات، وتكبير دورهم خارج حدودهم على نزع فتيل النزاعات والانقسامات المجتمعية الحادة داخل بلادهم.

إن الأطماع الاستعمارية مع التزامهم المشروع الصهيوني بالإضافة إلى أزماتهم التي ألمحنا لبعضها كلها عوامل أوصلتهم إلى طرح مشروع الشرق أوسطية كمشروع حلف جديد يكرر نماذج أحلاف طرحوها سابقاً كحلف بغداد وسواه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت