مجلة البيان - (ج 63 / ص 72)
د.أحمد محمود عجاج
ليس من باب المبالغة القول إن الهند - بما تمثله من تعدد طوائفها ، وتنوع لغاتها ، وتوزع شرائحها الاجتماعية - هي بالفعل حالة فريدة من نوعها قل نظيرها في عالم اليوم. فهذا البلد الذي يتجاوز عدد سكانه الثمانمائة مليون نسمة انتهج لنفسه النموذج الديموقرطي الغربي واستمر في تطبيقه في خضم اختلافات عرقية ودينية كان من المفترض أن تؤدي في أسرع وقت إلى تفكيك الهند كبلد متعدد الأديان والأعراق. وقد تغنى بعض الكتاب والنقاد بهذه الديموقرطية ولكنها كانت قشرة رقيقة ضعيفة حافظت على زخمها قليلاً ، وكانت تخفي تحتها - ومنذ البداية - تعصباً هندوسياً لا يحتمل التعدد ولا يحتمل وجود الإسلام بالذات ، ولذلك شهدت الفترة الأخيرة ما لم يكن متوقعاً ، وأبرزت ما لم يكن ممكناً تصوره ، وذلك عندما انطقت كتل بشرية يبلغ تعدادها مائتي ألف نسمة - تركض باتجاه مسجد في بلدة أيوديا الواقعة في شمال الهند وهي تصرخ باسم"الإله رام"رمز الشجاعة والتسامح عند الهندوس لتبدأ لدى وصولها بهدم جدرانه وسط الأناشيد والتهاليل والهرج والمرج. ويقول هؤلاء الهندوس إن المسجد - وهو المسجد البابري - قد بناه الفاتح المغولي بابر على أنقاض معبد هندوسي ، وهو المكان ذاته الذي وُلد فيه الإله رام المعظم بدعوى أن بناء المسجد على أنقاض المعابد تقليد درج عليه المسلمون الفاتحون آنذاك.
وقصة المسجد ليست جديدة على الإطلاق فقد نجحت جماعة من الهندوس المتشددين في التسلل إلى المسجد في عام 1949م، ووضعت لاحقاً صنماً للإله رام في داخله ، وادعت أن ما قامت به هو استجاية لتدخل مقدس. وتطورت قضية المسجد منذ ذلك الحين بعد أن رفعت دعاوى تطالب بتثبيت ملكيتهم الوحيدة للمسجد ، ووصلت المشكلة أوجها في عام 1984 ، وذلك عندما نظمت مجموعة من الهندوس المتشددين مظاهرة تدعو إلى تحرير مكان ولادة الإله رام ولكن اغتيال رئيسة الوزراء أنديرا غاندي آنذاك وما تبعها من عمليات قمع قامت بها الشرطة حالت دون ذلك.
وجد حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسي الفاشيستي في قضية المسجد فرصة ذهبية لا يمكن تضييعها على الإطلاق في ظل ديمقراطية تسمح له بممارسة التحريض والتزمت وبث الفرقة ، وإثارة النعرات في سبيل الحصول على مكاسب انتخابية تضمن له الوصول إلى السلطة ؛ وإن كان على حساب الأملاك والأرواح والقيم والمثل. وبالفعل ساعدت السياسة النفعية المحضة واللا أخلاقية الحزب الهندوسي الفاشيستي على كسب المزيد من الأصوات ، واستمالة شرائح واسعة من المجتمع الهندوسي مما زاد من شهيته وحضه على تصعيد العداء الديني ، وبث الروح الهندوسية وإحياء الماضي والدعوة إلى إقامة مجتمع هندي خالص ؛ لذا جاء في دليله الخاص على لسان الفيلسوف"أ. م. غولكار"أن المسلمين في الهند والمسيحيين والشيوعيين يمثلون خطراً أجنبياً على الهند وأن ما هو مطلوب منهم ليس إلا التخلي عن ردائهم الأجنبي المعقد ، ودمج أنفسهم في التيار الوطني المشترك ، وهو بالطبع القومية الهندوسية. وقد ساعدت الحزب الهندوسي عوامل محلية عديدة منها اعتقادات خاطئة ومنتشرة على نطاق واسع في صفوف الهندوس مفادها أن المسلمين يتكاثرون بسرعة فائقة تفوق سرعة تكاثر الهندوس ، وأن الأحزاب بمجملها - وعلى رأسها حزب المؤتمر - تحابي المسلمين في سبيل كسب أصواتهم مما يسمح للأقلية - وهم المسلمون - أن تفسد الأغلبية الهندوسية. والأكثر اعتقاداً أن المسلمين ناشطون في مجال الدعوة ويقومون عملياً بتغيير معتقدات الطبقات الهندوسية الدنيا وعلى رأسها طبقة المنبوذين.
ويعتقد حزب بهاراتيا أنه في سبيل تنفيذ سياسته أو برنامجه الانتخابي كما هو متعارف عليه في النظام الديموقرطي لابد له من الوصول إلى السلطة حتى يتسنى له تغيير الدستور والقوانين التي يمثل وجودها عائقاً أمام تحقيق برنامجه الذي يتضمن فيما يتضمن هدم المسجد البابري ، وتشييد معبد هندوسي على أنقاضه بذريعة أن الأرض للهندوس وأن المكان شهد ولادة الإله رام إله التسامح والمحبة. وهكذا استطاع الحزب ضمان أرضية انتخابية تضمن له نجاحاً بارزاً في أية انتخابات قادمة وبالتالي دخول السلطة من بابها السهل بغض النظر عن الأسلوب طالما أن الغاية تبرر الوسيلة.