الثابت أن المجتمع الذي لا يتمتع بالمناعة الأخلاقية والمثل العليا غير قادر على معايشة حقوق الإنسان واحترام الآخرين عندما يواجه انحساراً وضموراً في وفرته الاقتصادية . وهذا بالطبع ليس شيئاً غريباً لأن الفرد الذي تربى على تأليه المال والمبادرة الفردية الصرفة في الإنتاج واعتاد الوفرة والبذخ في العيش لا يمكنه أن يتنازل عن مكتسباته برحابة صدر وابتسام . بل يتطلع دائماً إلى كبش فداء لتحميله وزر الضائقة وإنزال سخطه وغضبه عليه . وهو بسعيه هذا يتمتع بحصانة تحول دون معاقبته لأن السلطة ذاتها بحاجة إلى دعمه ودعم أمثاله ، وترى في أعمال كهذه منفذاً للتهرب من مسؤولياتها وفشلها في إدارة البلاد . والسلطة في مواجهة أزمات كتلك ترتكز على أهمية ضمان الوحدة الاجتماعية التي لا تتحقق بنظرها إلا بتوفر عنصرين هما: الأمن الداخلي وتنفيذ مشروع الاندماج . والمقصود بعبارة الأمن الداخلي هو إقفال البوابة الأوربية في وجه الآلاف من المهاجرين الذين ضاقت بهم بلادهم وخرجوا منها قهراً أو بحثاً عن مصدر رزق جديد. وعبارة الاندماج تتطلب من المهاجرين واللاجئين الانسلاخ عن ذاتهم وتقاليدهم استعداداً لتقمص هوية جديدة لم يعرفوها أو يألفوها من قبل. وفي كلا المطلبين تصبح الديموقراطية بلا معنى ويخسر المهاجرون واللاجئون حقوقهم الإنسانية .
فالديموقراطية والعنصرية يصعب تعايشهما معاً ، إلا أن تعيش واحدة على حساب الأخرى . إذ لا يعقل أبداً أن تحرق عائلة سعدو وتذبح عائلة رومانية أخرى دون أن يعتقل الجاني أو تغلق مراكز الجماعات العنصرية وتمنع شعاراتها التي تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان . فالديموقراطية الحقة التي نعرفها لا تستقيم إلا إذا عاشت عائلة سعدو بأمان وسجن قاتلو العائلة الرومانية وأقفلت أبواب الأحزاب والجماعات العنصرية إلى غير رجعة .
الهوامش:
1-الحياة ، 13 كانون الأول 1991
4-نفس المصدر