فهرس الكتاب

الصفحة 4852 من 27364

د. محمد يحيى

مع تصاعد وتيرة الهجوم على ما يسمى بالتطرف أو حتى الإرهاب الإسلامي في العالم العربي ـ وهو هجوم يطال الدين الإسلامي وحده ـ بدأت جهات رسمية تروّج من خلال الإعلام والمنابر الفكرية والثقافية لفكرة العلمانية باعتبارها المخرج الأكيد من أزمة التطرف الديني.

وبعد أن كان الحديث عن العلمانية يدور على استحياء داخل دوائر ضيّقة من المثقفين والكُتّاب المرتبطين بالغرب وفي إطار مذاهب فكرية معينة يدعون لها، تحوّل هذا الحديث إلى المجال العام إعلامياً وثقافياً وحتى سياسياً كما أن الفكرة العلمانية طرحت الآن ومن خلال المنابر الرسمية بشكل مجرد من أي التباس مع مذاهب فكرية أو سياسية مثل الشيوعية أو القومية أو الاشتراكية كما كان يحدث حتى الماضي القريب.

ولم يعد الآن لدعوى العلمانية في غطاء سوى حديث مبهم حول الليبرالية والديموقراطية والمواطنة والتحديث مع تعريف كل هذه التوجهات في إطار لا ديني بحت بل وجعلها قرينة للعلمنة. وما يميز الطرح الجديد للعلمانية مع سفور الوجه هذا أنها أصبحت ببساطة تعني الاشتباك مع الإسلام بهدف حصاره ورده عن ساحة العمل العام وليس فقط عن السياسة كما يدعى بعض من يروّجون لها لأنه لا وجود للسياسة فعلاً في العالم العربي باستثناء تجارب فجة توصف بأنها حزبية وهي في الواقع لا تمت للديموقراطية بصلة.

ومع وضع العلمانية موضع الاشتباك المباشر مع الدين تقترن الدعوى بتيار التغريب والتبعية بشكل مباشر من خلال الحديث عن ضرورة اللحاق بالغرب الموصوف تعسفياً بالمتقدم وضرورة التحديث والعصرنة. ويصب هذا المسلك بعامة في إطار المواقف الرسمية للعديد من الحكومات في العالم العربي والتي أصبحت تنتهج سياسة سافرة في التبعية للغرب في شتى المجالات وعلى رأسها المجال السياسي والاقتصادي مما يشير بأن العلمانية في طرحها الجديد ليست بعيدة عن الإيعاز الرسمي الداخلي والتوجه الفكري الخارجي.

ومن هذه الزاوية تفتقر الدعوة العلمانية إلى أبسط ما تنادي هي به في دعايتها من استقلالية الرأي وإعمال الفكر النقدي. لكن هذه القيم موجهة فقط ضد الإسلام أو ما يسمونه بالنصوص المقدسة لكنها لا توجه أبداً ضد شتى الطروحات الغربية التي تكتسب في ظل هذا الطرح العلماني قداسة لا يزعمها لها دعاتها في مصدرها الأصلي في الغرب.

وهذه سمة كبرى أخرى من سمات الطرح العلماني الراهن ألا وهي تبني موقف النسبية المطلقة فيما يتعلق بالإسلام وتراثه وأفكاره وشريعته في وقت يسود فيه التقديس والتوقير وإطلاق الأبدية والعالمية والثبات على مذاهب الغرب المختلفة رغم إدراك الكل أن هذه المذاهب ذات نشأة بشرية وضعية محضة وهي أكثر ما تنطبق عليه النسبية التاريخية والتغير وعدم الشمولية أو العالمية.

والسمة الثالثة للطرح العلماني الراهن في العالم العربي ـ وهي كذلك تحمل طابع التناقض ـ هي اعتناقها الحاد للأحادية والاحتكارية في النظر والتصرف حتى وهي تزعم رفع شعارات يكثر أصحابها من ترديدها في شتى المنابر حتى كادوا يجعلونها من مميزات مذهبهم لوحده دون سائر الأفكار، وأعني بذلك شعارات التعددية والحرية وانفتاح الفكر والقبول بالآخر وما شابه.

فعند المحك تصطبغ الرؤية العلمانية بنزعة تسلطية إقصائية بل واستئصالية شديدة فيما يتصل بالإسلام وسائر جوانبه كالمكون الرئيسي لهوية الأمة العربية. والتعددية والقبول بالآخر عندهم تعني فقط أنه يجب على الإسلام والمسلمين أن يقبلوا بهم ويفسحوا لهم الطريق ويتنازلوا لهم عن الساحة العامة، لكن هذه الشعارات لا تعني في المقابل ولو من قبيل الدعاية والتظاهر أن تقبل العلمانية بوجود الإسلام وتعاليمه وحركاته ومظاهره كما لا تعني مطلقاً أن يسمح للإسلام ولو بوجود ما في المجال العام على قدم المساواة مع غيره من العقائد أو المذاهب.

وكلما تعالت أصوات العلمانيين بالحديث عن التعددية والحرية والقبول بالآخر كلما تصاعد القمع والإقصاء والإبعاد ضد الإسلام ودعاته. وللعلمانيين من منطلق الغطرسة والخداع مقولة لا يملون من تردادها في مثل هذا الصدد وهي أنه لا حرية ولا ديموقراطية لأعداء الحرية والديموقراطية وهم بالطبع الإسلاميون في نظر العلمانية. ومرة أخرى نجد أن هذا الموقف يصب في خانة دور العلمانية في طرحها الحديث كأداة قمع في أيدي جهات رسمية وأجنبية في العالم العربي وليست توجها فكرياً عادياً أو طبيعياً.

ومن سمات الطرح الجاري للعلمانية والتي تلفت النظر لمخالفتها الصارخة لما يتردد في منبرهم من طنطنة كثيرة حول الليبرالية هي أن العلمانيين يلتصقون أكثر ما يلتصقون بالدعوات والتوجهات والأحزاب والجهات شديدة الدكتاتورية والتسلط والتي تمارس شتى أنواع القمع السياسي والاقتصادي والتي لم يعرف عنها إلا النزعات الاحتكارية والاستئثار بكل المقدرات والسلطات والنفوذ والمنابر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت