فهرس الكتاب

الصفحة 3157 من 27364

أحمد شهاب

مدخل:

يتعرض العالم منذ فترة ليست بالوجيزة إلى تغيرات عميقة على مستوى العلاقات، وموارد القوة، وانتقال الصورة، وصناعة الرموز والشخوص، وتطور ملحوظ على آليات تصدير الأفكار والثقافات، كما البضائع والتقنيات، وتبدل حاد في الأولويات والأهداف والقيم، بما ينطوي على صياغة جديدة لعالم راهن مفاصل لعالم ما قبل العولمة.

إذ تضاءلت الفواصل بين الأمم والشعوب، وضُربت الخصوصيات الثقافية في خاصرتها، وبدا أن ثمة هوية جديدة تتخلق لإنسان ما بعد العولمة، وهي ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح (الهوية الهلامية) ، كنتاج ملموس لطرقات العولمة على الخصوصيات الثقافية للبلدان المستقبلة، الأمر الذي ترتب عليه تغيير في الأذواق والأحاسيس والوجدان، وتحويل الأشياء إلى سلعة تأخذ قيمتها من خلال مقاييس الثقافة المرسلة، التي تفرض نماذجها على الثقافات المستقبلة، فتتشوه المعالم التي تميز كل جماعة بشرية عن الأخرى.

يذهب بعض الباحثين إلى أن هذه الهوية الجديدة، المتخلقة بسبب الحركة العولمية - وإن كانت"هلامية"في مراحلها الأولى - تُبشر بالتفاؤل، فهي سرعان ما ستتحول إلى"هوية عالمية مشتركة"، مما يتيح لسيادة حالة من التوافق الثقافي والقيمي بين الجميع، وهذا ما يرى عدد من البحَّاثة الغربيين أنه قد تحقق فعلاً مع انتشار قيم الحياة الغربية، وسيادة ثقافتها"المرسلة"وفرض أنماطها على العالم.

ويشارك عدد من أهل الرأي في العالمين العربي والإسلامي أندادهم الغربيين التفاؤل إذا أحسن المسلمون الاستفادة، وتفاعلوا إيجابياً مع العولمة كحركة إنسانية عامة، فلا انسحاق تحت عجلاتها ولا رفض لكل معطياتها وثمراتها، وتأتي على رأس القضايا التي تتأثر سلباً وإيجاباً بمدى تفاعل ثقافتنا مع الثقافة الإنسانية، وضعيات المرأة على المستوى الاقتصادي و السياسي والاجتماعي والثقافي.

سيكون للعولمة أثر واسع على طبيعة دور المرأة، من خلال تطوير وعي المرأة عولمياً، بصفتها أحد أعضاء هذا المجتمع الإنساني الكبير المستهدف بالبرامج الموجهة، وأيضاً من خلال تهيئة ظروف (استثنائية) للمرأة لتأخذ دوراً عملياً، وتقدم إسهاماتها إلى جانب الرجل في العملية التنموية من خلال أبعادها المختلفة.

سنعرض في هذه الدراسة بعضاً من تأثيرات العولمة - الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية - على وضعيات المرأة المسلمة، سواء في بُعدها الإيجابي أو السلبي، في محاولة لتلمس الفرص التي يمكن للمرأة المسلمة أن تستثمرها لصالحها في العصر العولمي، والعقبات التي خلفتها هذه الظاهرة والأمل بتجاوزها في المنظور القريب.

* تأثير العولمة على الوضع الاقتصادي للمرأة:

تعد العولمة الاقتصادية أحد أبرز مظاهر العولمة وأكثرها تجلياً، حيث ابتدأت الفكرة بسعي منظم لدمج أسواق العالم، عبر توسيع حقول الاستثمارات المباشرة بين مختلف الدول، وتسهيل حركة انتقال رؤوس الأموال والقوى العاملة بعيداً عن الحواجز الجغرافية المعهودة. ويمكن اعتبار"السوق المالية"المفتوحة أحد أبرز التعبيرات العملية لحركة رأس المال بين أسواق العالم بانسيابية فريدة، وما يتطلبه ذلك من تدفق حر للمعلومات، وتبادل الاتصالات بفعالية تواصلية ملفتة للنظر.

وتأتي ولادة الشركات المتعددة الجنسيات كإفراز طبيعي للحركة المالية العالمية المفتوحة، والتي انطلقت لتحقيق مصالح مشتركة في"نقاط الاستثمار"المختلفة، سرعان ما تحولت إلى إمبراطوريات مالية ضخمة تتحكم بالأسواق العالمية، وترسم معالم حركتها، وتلعب دوراً أساسياً في تحديد مستقبل نموها.

لقد بشر الكثيرون بنتائج العولمة الاقتصادية، واعتبرها البعض بوابة تحرير السوق من أزماته المحلية الداخلية، وتحريره من هيمنة"الجهات الكبيرة"على"الجهات الصغيرة"، وهو الأمر الذي سوف يساهم بنظرهم في دفع الموارد البشرية والمادية نحو المواقع الإنتاجية، بما يعنيه ذلك من إشباع الاحتياجات المتزايدة للناس.

لقد أتاح الانفتاح الاقتصادي فرصاً ضخمة للاستثمار، ويعتقد أن وضع المرأة في عصر العولمة في بعض الحالات شهد تحسناً ملحوظاً، حيث أتيحت الفرصة لعدد كبير من النساء لدخول عالم الاستثمار، والتواصل مع قطاع كبير من الشركات والأنظمة الاقتصادية، إن سهولة الاتصال كأحد أبرز تجليات العولمة سمح للمرأة بتقصي مختلف الفرص الاقتصادية واكتساب خبرات كانت محصورة على الذكور فقط، كما مكنها من معرفة ما ينبغي عمله وما ينبغي الامتناع عنه في السياسات والبرامج الاقتصادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت