فهرس الكتاب

الصفحة 3158 من 27364

إن أحد أهم أسباب تعثر دور المرأة العربية والمسلمة في المجال الاقتصادي حرمانها من التعليم، وتضييق فرص اكتسابها للمهارات المعرفية المتقدمة، ويعود ذلك لأسباب تتعلق بالعادات والتقاليد، أو بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فالثابت أن المرأة هي الأقوى تمثيلاً بين الفئات المحرومة، ويعتقد أن سرعة وسهولة تدفق المعلومات كأحد أهم سمات العولمة، أدت إلى إحداث تغييرات جوهرية في هذه القناعات، وبدا أن الكثير من المجتمعات اليوم، أضحت أكثر تسامحاً حيال تعليم المرأة، وبالتالي تجاه عملها، مما ساعد المرأة على دخول ميدان الإنتاج بصورة أكبر، وثمة تزايد في الإقبال النسائي على انتقاء المسار العلمي التخصصي، فنجد أن"المرأة العربية لها تمثيل مرتفع في الأعمال المهنية في عشر على الأقل من دولنا الـ22، ففي مصر مثلاً نجد أن ما يقرب من 45% من الوظائف في مجالات الطب والوظائف الأكاديمية ووسائل الإعلام تشغلها طبيبات وأستاذات وصحفيات ومذيعات، والآن أصبح نصف الطلبة الملتحقين بالجامعات من الفتيات، بل إن عدد النساء المشتغلات بالاقتصاد في مصر أكثر من عدد الرجال، وهو ما تشهد عليه كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة" (1) .

إلا أنه في ظل العولمة اتجه العالم نحو استقطاب شديد في الفقر، الذي اتسعت دائرته بشكل مخيف (يعاني 840 مليون نسمة من الجوع، و 2 بليون آخرين يعانون من سوء التغذية) ، والضحايا يتركزون في الجنوب، بينما الشمال يتضاعف فيه مستوى دخل الفرد، والمؤشر في تصاعد مستمر، وأحد أهم أسباب هذا التباين الحاد بين شعوب العالم، هو تركيز التنافس العولمي بين الشركات على تحقيق أكبر قدر من الأرباح، دون الالتفات إلى ما يعقب ذلك من انتقاص لحقوق الآخرين.

وهو ما أشار إليه تقرير التنمية البشرية لعام 1999م، الذي يرى أن"الرعاية البشرية مهددة لأن السوق العالمية التنافسية الموجودة الآن، تفرض ضغوطاً على ما يلزم لأعمال الرعاية من وقت وموارد وحوافز، وهي أعمال بدونها لا ينتعش الأفراد، ومن الممكن أن ينهار التماسك الاجتماعي". وسبقت الإشارة إلى أن أكثر الفئات المتضررة من هذه النتائج هي"المرأة"، لكونها لا تزال تصنف إلى جانب الأطفال والقصر وكبار السن من الفئات الأضعف اجتماعياً.

أحد المآخذ على السوق العولمية، أن مستوى المخاطر مرتفع، ولا تتوفر ضمانات كافية لحماية العمال وصون حقوقهم، ويعود ذلك إلى طبيعة السوق العولمية التي لا تزال سوقاً غير رسمية، ولما كانت وظائف النساء هي غالباً في السوق غير الرسمية، فإن معاناة المرأة ستكون أشد من معاناة الرجل (2) ، لكون المنافسة بين الشركات تتركز في تعيين العمال بمرتبات منخفضة، أو عبر تنامي عقود الباطن، وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أن عمل النساء العربيات في السوق غير الرسمي تفوق أعداد الرجال.

وبالنظر إلى أن العولمة تعتمد على السبق في ميدان التنافسيات الاقتصادية، وتحقيق أكبر معدل من الربح بأقصر وأسرع الطرق، فإنها لم تلتفت إلى العدالة في تجارب التنمية، وهو ما نتج عنه زيادة الهوة بين الأغنياء والفقراء. صحيح أن التقدم التكنولوجي استطاع أن يحقق زيادة في الدخل، لكن صحيح أيضاً أن هذه الزيادة لم تكن لصالح الجميع، بل صبت لفائدة فئات محددة، وقد لوحظ ذلك من استمرار ارتفاع نسبة الوفيات بين النساء، واستمرار معدلات الأمية، وضعف مشاركة المرأة العربية في مجال الصناعات.

أفاقت الشعوب في العصر العولمي على واقع تضخم المشكلات والأزمات الاقتصادية في بعض البلدان النامية، وأدت بعض السياسات المتبعة إلى زيادة نسب البطالة، ويعود ذلك في بعض أسبابه إلى أن تنامي الشركات المتعددة الجنسية بإمكاناتها الضخمة، يؤدي إلى تلاشي المشاريع الاقتصادية المتوسطة والصغيرة، وتسريح العشرات من الأيدي العاملة.

إن انفتاح السوق العالمي لم ينتهِ إلى توفير الأمن الاقتصادي لجميع الفئات، فكثيراً ما تتعرض الفئات الاجتماعية الضعيفة وفي مقدمتهم النساء، وكبار السن، وذوو التعليم المتدني إلى أضرار بالغة السوء، فبرامج الإصلاح الهيكلي والخصخصة أدت إلى فقدان الكثير من هذه الفئات لوظائفها، نتيجة تآكل القطاع العام في معظم الدول العربية، فالسياسيات التنموية في الدول العربية، أعطت للنساء فرصاً جيدة في القطاع العام من حيث الأجور، لكنها لم تحقق الشيء ذاته في القطاع الخاص، باستثناء دول الخليج حيث لا يزال القطاع العام يحتفظ بقوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت