أحمد إبراهيم خضر
يقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله ـ في الفوائد: «قبول المحل لما يوضع فيه مشروط بتفريغه من ضده، وهذا كما أنه في الذوات والأعيان فكذلك هو في الاعتقادات والإرادات. فإن كان القلب ممتلئًا بالباطل اعتقادًا ومحبة لم يبق فيه لاعتقاد الحق ومحبته موضع، كما أن اللسان إذا اشتغل بالتكلم بما لا ينفع، لم يتمكن صاحبه من النطق بما ينفعه، إلا إذا فرغ لسانه من النطق بالباطل، وكذلك الجوارح إذا اشتغلت بغير الطاعة لم يمكن شغلها بالطاعة إلا إذا فرغها من ضدها؛ فكذلك القلب المشغول بمحبة غير الله وإرادته، والشوق إليه والأنس به، لا يمكن شغله بمحبة الله وإرادته والشوق إلى لقائه إلا بتفريغه من تعلقه بغيره، فإذا امتلأ القلب بالشغل بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع، لم يبق فيها موضع للشغل بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه.
وسرُّ ذلك: أن إصغاء القلب كإصغاء الأذن؛ فإذا صغى إلى غير حديث الله لم يبق فيه إصغاء، ولا فهم لحديثه، كما إذا مال إلى غير محبة الله، لم يبق فيه ميل إلى محبته، فإذا نطق القلب بغير ذكره، لم يبق فيه محل للنطق بذكره كاللسان».
* ما علاقة ما قاله ابن القيم بوالت ديزني وجهاز استخباراتها؟ لنبدأ القصة من أولها (1) .
أنتجت مؤسسة والت ديزني في أوائل التسعينيات فيلمًا استوحته من روايات «ألف ليلة وليلة» بعنوان: «علاء الدين» واعتبرته واحدًا من أهم أعمالها، وفي ربيع 1995م كتب «تريموثي هوايت وجي ون» مقالًا أكدا فيه أن في هذا الفيلم إساءة للعرب والمسلمين وتعرضًا للشريعة الإسلامية، واعتبر أن ذلك أمر يسهل فهمه تمامًا. وعندما عرض الفيلم في أمريكا الشمالية احتجت منظمات الأمريكيين العرب، واتهمت المسؤول التنفيذي اليهودي لديزني بأنه تعمد تشويه صورة العرب. لكن ديزني دفعت هذه التهمة عن هذا المسؤول اليهودي، خاصة بعد أن حقق الفيلم عائدًا يزيد عن مائتي مليون دولار في أمريكا الشمالية وحدها.
لم يكن يهم ديزني ردود فعل الأمريكيين العرب تجاه الفيلم؛ فالمسألة محسومة فيما يطلقون عليه هناك: «حرية التعبير» ، كما أن ديزني كانت على دراية وفهم كاملين بصدى الفيلم فيما يسمونه: «منطقة الشرق الأوسط» ، وآثرت أجهزة ديزني أن ترصد ردود الفعل تجاه الفيلم في منطقة تضم أكثرية ساحقة من المسلمين وهي منطقة جنوب شرق آسيا، وجاءت تحليلات «هوايت وون» لتبين أن المؤسسات الأمريكية تشكل لنفسها أجهزة استخبارات خاصة يدخل موظفوها عادة تحت اسم موظفي «العلاقات العامة» ، وتخدم هذه الأجهزة هدفين في وقت واحد: أولهما: الحفاظ على استمرارية تدفق الدولارات الأمريكية إلى خزينة هذه المؤسسات. والثاني: الاستفادة من هذه المعلومات في خدمة المصالح الغربية عامة والأمريكية خاصة.
يرى كلٌّ من «وايت وون» أن فيلم «علاء الدين» هو واحد من أنجح محاولات ديزني في تغريب أو حتى «أمركة» منتج فني يخص ثقافة غير أمريكية. ولا يهتم الأمريكيون عادة بالثقافات غير الأمريكية إلا في ضوء الفائدة التي يمكن أن يجنوها من ورائها، هكذا كان الأمر في حرب الخليج ـ على حد قول هوايت وون ـ حيث قام الأمريكيون بتقويم ثقافة الخليجيين في حدود النفع الذي يعود على العالم الغربي منها. وعلى أساس هذه القاعدة، كانت رواية «علاء الدين» مادة خامًا استغلتها آليات ديزني في إنتاج تصور معين يخص ثقافة شرقية، هذا التصور ليس بالتصور الصادق الممثل لهذه الثقافة، وإنما كان تصورًا أمريكيًا يصور العالم العربي (الأجنبي) بطريقة هزلية ساخرة. ويمكن القول هنا إن استغلال القضايا العرقية والقومية للشعوب، والتعبير عنها بشخصيات ديزني الكارتونية ليس أمرًا جديدًا عليها وإنما تعود جذوره إلى الأربعينيات من القرن الماضى.
* مكمسة العالم كيف؟
نجحت ديزني باستخدامها لشخصيات الروايات التي تنتجها ليس فقط في الدعاية لنفسها، وإنما أيضًا فيما نسميه بـ «مكمسة العالم» نسبة إلى شخصية ميكي ماوس الشهيرة. وعلى أساس ذلك فهي لا تستهلك الثقافات الأخرى فحسب، بل إنها تبيع الثقافة الغربية للعالم عبرها أيضًا.