فهرس الكتاب

الصفحة 8586 من 27364

التعددية الحزبية .. رؤية فقهية…

تدور أحاديث ومناقشات كثيرة في جلسات خاصة، وندوات عامة، بين الإسلاميين بعضهم وبعض، وبينهم وبين غيرهم من الفئات الأخرى.

فقد اشتهر بين بعض الفصائل الإسلامية أن الإسلام يوجب الوحدة، ويمنع التفرق والاختلاف، وتعدد الأحزاب لا يأتي من ورائه إلا اختلاف الكلمة، وتفرق الأمة.

وقد ذكر الإمام الشهيد حسن البنا: أن لا حزبية في الإسلام، وبهذا تمسك الكثيرون في رفضهم لفكر التعدد. ولهم في ذلك شبهات يذكرونها، وأدلة يسوقونها.

فما هو رأي فضيلتكم في هذا الموضوع الذي يثار اليوم في أكثر من بلد عربي وإسلامي، وخصوصًا في الأقطار التي تتيح الفرصة للتعددية السياسية وفتاوى بالديمقراطية، فهم يقولون: القوى الإسلامية تنادي بالحرية والتعدد حتى إذا قبضت على زمام الحكم. انفردت هي بالديمقراطية، وألغت كل ما سواها، واعتبرت نفسها هي الحق الذي لا يحتمل الباطل وغيرها هو الباطل الذي لا يحتمل الحق.

فبينوا لنا الموقف الشرعي في ذلك مؤيدًا بالأدلة، جزاكم الله خيرًا وأيدكم بروح من عنده.

جواز تعدد الأحزاب داخل الدولة الإسلامية …السؤال

14/01/2007…التاريخ

العلامة الدكتور يوسف عبد الله القرضاوي…المفتي

……الحل …

…بسم الله، والحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

رأيي الذي أعلنته من سنين في محاضرات عامة، ولقاءات خاصة: أنه لا يوجد مانع شرعي من وجود أكثر من حزب سياسي داخل الدولة الإسلامية، إذ المنع الشرعي يحتاج إلى نص ولا نص.

بل إن هذا التعدد قد يكون ضرورة في هذا العصر؛ لأنه يمثل صمام أمان من استبداد فرد أو فئة معينة بالحكم، وتسلطها على سائر الناس، وتحكمها في رقاب الآخرين، وفقدان أي قوة تستطيع أن تقول لها: لا، أو: لم ؟ كما دل على ذلك قراءة التاريخ، واستقراء الواقع.

كل ما يشترط لتكتسب هذه الأحزاب شرعية وجودها أمران أساسيان:

1ـأن تعترف بالإسلام ـ عقيدة وشريعة ـ ولا تعاديه أو تتنكر له، وإن كان لها اجتهاد خاص في فهمه، في ضوء الأصول العلمية المقررة.

-2ألا تعمل لحساب جهة معادية للإسلام ولأمته، أيًا كان اسمها وموقعها.

فلا يجوز أن ينشأ حزب يدعو إلى الإلحاد أو الإباحية أو اللادينية، أو يطعن في الأديان السماوية عامة، أو في الإسلام خاصة، أو يستخف بمقدسات الإسلام: عقيدته أو شريعته أو قرآنه، أو نبيه عليه الصلاة والسلام.

واجب النصح والتقويم للحاكم

ذلك أن من حق الناس في الإسلام ـبل من واجبهم ـ أن ينصحوا للحاكم، ويقوموه إذا اعوج، ويأمروه بالمعروف، وينهوه عن المنكر، فهو واحد من المسلمين، ليس أكبر من أن يُنصح ويؤمر، وليسوا هم أصغر من أن يَنصحوا أو يأمروا.

وإذا ضيعت الأمة الأمر بالمعروف،والنهي عن المنكر، فقدت سر تميزها، وسبب خيريتها، وأصابتها اللعنة كما أصابت من قبلها من الأمم، ممن (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (المائدة: 79) .

وفي الحديث: ذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم: يا ظالم، فقد تودع منهم" (رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن عبد الله بن عمرو وصححه الشيخ شاكر، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي 4/96) ."

وفي الحديث الآخر:"إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" (رواه أبو داود فيسننه من حديث أبي بكر كما رواه أحمد وأصحاب السنن وقال الترمذي: حسن صحيح) .

وعندما ولي أبو بكر الخلافة قال في أول خطبة له:"أيها الناس إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني .. أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم".

وقال عمر:"أيها الناس من رأى منكم في اعوجاجًا فليقومني"، فقال له رجل: والله لو رأينا فيك اعوجاجًا لقومناه بحد سيوفنا ! فقال عمر::"الحمد لله الذي جعل في المسلمين من يقوم اعوجاج عمر بحد سيفه!".

ولكن علمنا التاريخ، وتجارب الأمم، وواقع المسلمين: أن تقويم اعوجاج الحاكم ليس بالأمر السهل، ولا بالخطب اليسير، ولم يعد لدى الناس سيوف يقومون بها العوج، بل السيوف كلها يملكها الحاكم.

تنظيم النصح والتقويم في صورة قوى سياسية

الواجب هو تنظيم هذا الأمر لتقويم عوج الحكام بطريقة غير سل السيوف، وشهر السلاح.

وقد استطاعت البشرية في عصرناـ بعد صراع مرير، وكفاح طويل ـ أن تصل إلى صيغة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،وتقويم عوج السلطان، دون إراقة للدماء وتلك هي وجود"قوى سياسية"لا تقدر السلطة الحاكمة على القضاء عليها بسهولة، وهي ما يطلق عليها"الأحزاب".

إن السلطة قد تتغلب بالقهر أو بالحيلة على فرد أو مجموعة قليلة من الأفراد، ولكنها يصعب عليها أن تقهر جماعات كبيرة منظمة، لها امتدادها في الحياة وتغلغلها في الشعب، ولها منابرها وصحفها وأدواتها في التعبير والتأثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت