فهرس الكتاب

الصفحة 7729 من 27364

عامر راشد

عشية الكشف عن مسودة المبادرة الأمريكية للتغيير في الشرق الأوسط المسماة بـ (مشروع الشرق الأوسط الكبير) أكد الرئيس الأمريكي بوش الابن أمام جنود قاعدة"فورت بولك"في ولاية لويزيانا الجنوبية:"أن خيار الولايات المتحدة الأمريكية واضح، وهو:"إما أن تتقدم الحرية في المنطقة، أو أن تبقى مصدرة للعنف إلى كل أنحاء العالم"، وخاطب جنوده قائلاً:"

"أمريكا تعتمد على جنودها لمواجهة الأخطار"، وأضاف:"لاشك أن العدو سينهزم وستسود الحرية"، ما قاله الرئيس الأمريكي يفضح الجانب الأكثر بشاعة في السياسة الأمريكية القائم على توظيف الهيمنة العسكرية في فرض المخططات الأمريكية لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط بما يلبي مصالح الإمبراطورية الأمريكية التي دأبت في السنوات الأخيرة على تقديم نفسها كقوة لا متناهية في المجالات كافة، الثقافية، والاقتصادية، والعلمية، والعسكرية على ما في هذا من مغالطة سنتعرض لها لاحقاً.

ومن المهم أن نثبت بداية إقرارنا بأن الإصلاح الشامل في البلدان العربية وخصوصاً في حقلي السياسة والاقتصاد بات ضرورة ملحة ولازمة للمحافظة على الاستقرار والاستقلال، وكشرط للتنمية بما يتطلبه ذلك من تغييرات بنيوية جذرية أساسها ديمقراطية تؤمن أوسع مشاركة سياسية تضمنها قيام دولة المؤسسات والقانون والشفافية، وبأن الموقف من المشروع الأمريكي لا ينطلق من رفض الإصلاح و التغيير من حيث المبدأ بل على العكس من ذلك تماماً، مع الأخذ بعين الاعتبار أن نجاح أي عملية إصلاح حقيقية يشترط تحقيق المصلحة الوطنية أولاً، وهو ما تقفز عنه المبادرة الأمريكية، انطلاقاً مما سبق يمكن لنا أن نسوق الملاحظات التالية على ما بات يعرف بـ (المبادرة الأمريكية لتغيير الشرق الأوسط الأوسع نطاقاً) :

أولاً: الخلل الأساسي في الوثيقة أنها تتناول الإصلاحات المطلوبة كمصلحة أمريكية خالصة، هدفها المعلن تلبية المصالح الأمريكية أولاً وأخيراً، وفي سبيل هذا فهي تحاول إعادة قولبة المنطقة قسراً بما يتماشى مع مفهوم العولمة الأمريكية، غير آبهة بمصالح شعوب المنطقة، إن أساس السياسة الأمريكية نظرة استعلائية قاصرة تقسم العالم إلى معسكري (خير أو شر) وتطبيقها العملي المسخ (من هو معنا ومن هو ضدنا) ، ليصبح من المشروع أن نتساءل: أليس من السذاجة اعتقاد الإدارة الأمريكية بإمكانية نجاح سياساتها الخارجية المبنية على المصالح الأمريكية فقط، والسعي إلى تنفيذها بأساليب عدوانية؟!!.

ثانياً: يلاحظ أن الخطة في مسعاها لإعادة قولبة المنطقة سعت إلى إعادة تعريف مصطلح الشرق الأوسط بحيث يضم إلى جانب الدول العربية كل من: إيران، تركيا، باكستان، أفغانستان، دول آسيا الوسطى، دول القرن الأفريقي، وطبعاً إسرائيل يبقى لها موقع الصدارة، ولا يخفى في هذا أن التوسيع يهدف إلى جعل تعريف المنطقة مطابقاً لخارطة الحروب الأمريكية تحت دعوى (مكافحة الإرهاب الأصولي الإسلامي) ، وبهذا فهي أقرب إلى كونها تحديد لمنطقة العمليات الحربية للجيوش الأمريكية.

ثالثاً: المبادرة الأمريكية استمرار لسياسة إدارة بوش الابن التي تجعل من تحقيق المصالح الأمريكية أساساً للشرعية الدولية، ولذلك فهي تقدم الدور الأمريكي على دور الهيئات والمؤسسات الدولية، على اعتبار أنها فقدت في ظل عالم القطب الأحادي شرعيتها، وكذا مواد القانون الدولي التي كانت وليدة معادلات دولية لم تعد قائمة، وهذا يؤسس برأيها لشرعية الاستفراد الأمريكي، ومحاولات فرض الديمقراطية والإصلاحات الليبرالية من جانب واحد بما تمثله من مصلحة وطنية أمريكية؟!!.

رابعاً: المبادرة تقفز عن أولوية تحقيق تسوية سياسية شاملة ومتوازنة للصراع العربي الإسرائيلي كشرط لازم في تحقيق الديمقراطية والتنمية، وما يشكله استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية وتنكرها لحقوق الشعب الفلسطيني من عامل تفجير دائم، وفاتحة لحروب لا تنتهي، كيف يمكن الحديث عن توفير مقومات التنمية والديمقراطية في ظل ارتهان المنطقة لسيف التوسعية العدوانية الإسرائيلية المدعومة أمريكياًً، ألا يصبح من حقنا القول بأن أحد أهداف المبادرة الأساسية خلق مدخل لتكريس الهيمنة الصهيونية التوسعية على المنطقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت