نوفل المعاوي ـ كاتب تونسي مقيم في النرويج
07-3- 2006 م
لا تزال الحكومة الدنمركية مصرة على الاستكبار والصلف والتجاهل لمطالب المسلمين في الدنمرك والعالم, وسياسة الهروب إلى الأمام, مشددة على أن الأزمة التي أحدثتها الرسوم المسيئة لمقام النبي صلى الله عليه وسلم هي أزمة مختلقة افتعلها من تسميهم بالأئمة المتطرفين في الدنمارك, وتعني بذلك الأئمة المنضوين تحت"اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية"ومقرها الدنمارك، وتشن عليهم الصحف الدنمركية حملة شعواء متهمة إياهم بالإساءة إلى مصالح الدنمارك، فيما تتعالى الدعوات بطردهم من البلاد من داخل الائتلاف الحاكم نفسه, الذي صرح بعض أعضائه بأنه سيتم إعادة النظر في إقامة هؤلاء الأئمة بعد أن يعود الهدوء.
وإمعاناً في المغالطة قامت الحكومة بتشجيع جمعية"شبكة المسلمين الديمقراطيين"التي يقودها النائب في البرلمان الدنماركي، وعضو حزب اليسار الراديكالي؛ ناصر خضر - السوري الأصل - الذي عرف بتبرئه من الإسلام مفتخراً بإنكاره لأحكام الشريعة، وقد ضمت هذه الشبكة مجموعة من العلمانيين من ذوي الأصول المسلمة ممن يجمعهم الحقد على الإسلام, ومن عجائبها أن أغلب المنخرطين فيها هم من الدنماركيين المعادين للإسلام، الذين انضموا للجمعية بدعوى مساندة المسلمين الديمقراطيين، ولقطع الطريق على أية محاولة قد يقوم بها المسلمون لاختراق الجمعية، وتحويلها عن هدفها في محاربة الإسلام باسم المسلمين، وقد صرح ناصر خضر:"لقد اشترطنا على من يريد الانضمام إلينا،التوقيع على حقوق الحرية، وأن يعترض على حكم الإعدام، وبالتالي لا يؤيد أي عضو من الأعضاء الشريعة الإسلامية كقانون, بينما يحق له أن يعترف بها كدين لا دنيا"! كما تؤكد الجمعية على حرية التعبير والفن كما تراها، وتعني حرية نشر الرسوم المسيئة, وعلى حقوق الأفراد الجنسية وتعني حقوقهم في الدعارة وممارسة الشذوذ.
هذا وقد سارع رئيس الحكومة إلى مقابلة قيادات هذه الجمعية التي يراد فرضها ناطقة باسم المسلمين في الدنمارك لأنها تمثل الإسلام المطلوب, في حين لا يزال يرفض مقابلة القائمين على"اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية"، التي تمثل أغلب المسلمين في الدنمارك أي أغلب الجمعيات والجاليات المسلمة الكبيرة فيها وخاصة العربية والتركية، والباكستاية والصومالية, ويرأسها الشيخ رائد حليحل، فيما يشغل إياد عكاري الناطق الرسمي باسمها إلى جانب الشيخ أحمد أبو لبن الذي يعد أهم رمز إسلامي في الدنمارك، وأحد أهم الرموز الإسلامية في أوروبا الغربية, فيما تعد الجمعية التي يرأسها وهي"الوقف الإسلامي في الدنمارك"أكبر جمعية إسلامية في كوبنهاغن, وأنشط جمعية في البلاد الاسكندينافية في مجال الدعوة الإسلامية.
وفي إطار النفخ في ما يسمى"شبكة المسلمين الديمقراطيين"، فقد صرحت"ركي فلسهوي"وزيرة الاندماج في الدنمرك بأنه:"ما كان من المتوقع ظهور فريق من المسلمين المعتدلين على الساحة, فهذه فرصة يجب أن نغتنمها"، ثم أضافت:"لقد أعددت لهم 4 ملايين كرونة - ما يعادل 650 ألف دولاراً - وهناك المزيد إن استطاع هؤلاء الناشطون دفع عملية الاندماج إلى الأمام"، ويعرف كل من يعيش في الدنمارك أو له اطلاع على الوضع فيها أن عملية الدمج والاندماج التي يطالب بها ائتلاف اليمين الحاكم لا تعني غير التذويب والانصهار.
وفيما الساحة الدنماركية تشهد هذا الغليان والاحتقان بسبب عنجهية الحكومة اليمينية المتطرفة المصرة على عدم الاعتذار للمسلمين هي والجريدة الآثمة؛ التي وصل بها التطاول والوقاحة وازدراء المسلمين إلى نشر تكذيب للإعلان الذي قام به بعض رجال الأعمال الدنماركيين باسمها في بعض الصحف العربية، وزعموا فيه أنها تعتذر للمسلمين عن نشر الرسومات المهينة, بل هددت الصحيفة بمقاضاة هؤلاء الذين تحدثوا باسمها، ونسبوا إليها اعتذاراً لم يصدر عنها!.
في هذا الوقت صرح طارق رمضان المعروف بدعوته لما يسميه بـ"الإسلام الأوروبي"لبعض الصحف الدنماركية - حسبما أبلغني به للشيخ رائد حليحل رئيس"اللجنة الأوربية لنصرة خير البرية"- قائلاً:"أحمل الأئمة مسؤولية كل ما جرى لأنهم حولوا القضية من شأن داخلي في الدنمارك إلى قضية عالمية"، وقد كانت تصريحات طارق رمضان تلك طعنة لأئمة المسلمين في الدنمارك, في الوقت الذي يتعرضون فيه إلى حملات التشويه الشعواء, والمعلوم أن طارق رمضان يرى أن من سمات"الإسلام الأوروبي"المنشود الابتعاد عن قضايا العالم الإسلامي التي تُظهر المسلمين أنهم مزدوجو الولاء، والانخراط في القضايا الأوروبية لضمان اندماجهم في مجتمعاتهم الأوربية، وتقبل الآخرين لهم, وقد سبق أن تعرض إلى انتقادات قوية من الشيخ يوسف القرضاوي في بريطانيا على بعض توجهاته المغالية في تفلتها فضلاً عن انتقادات غيره من العلماء.