لكن يبدو أن الرجل مصر على منهجه, وخاصة أن بعض الغربيين ينفخون فيه، ويكتبون أنه من المتوقع أن يلعب في المستقبل بين المسلمين الدور الذي لعبه لوثر بين النصارى، أي أنه تجسيد"للبروتستانتية الإسلامية"المطلوبة, وعند زيارته إلى العاصمة النرويجية أوسلو في شعبان المنصرم بدعوة من الجامعة أوسلو لتقديم محاضرات عن الإسلام كما يراه كان محل اهتمام كبير جداً من الإعلام النرويجي بما فيه التلفزيون الرسمي الذي عرض مشاهد من محاضراته التي ألقاها في مسجد"الرابطة الإسلامية", حيث جلس الشباب والفتيات جنباً إلى جنب في قاعة الصلاة المخصصة للرجال, بمن فيهم غير المسلمات من الفتيات النرويجيات, وكانت هذه فرصة للتعريف بنموذج من"الإسلام الأوروبي"المنشود, وقد وصفته الرابطة في إعلاناتها بأنه"أحد أبرز العلماء التقدميين في أوروبا"!, منوهة بأنه"أحد من عينهم توني بلير في مجلس مقاومة التطرف الإسلامي".
وجاءت تصريحات طارق رمضان هذه لتحرج أئمة المسلمين في الدنمارك أكثر, وتذكي نار الحملة عليهم بأنهم متطرفون لا يمثلون المسلمين المعتدلين حسب توصيف الحكومة الدنمركية, وبالتالي الإصرار على رفض التحاور مع هؤلاء الأئمة في القضايا التي تمس الإسلام والمسلمين في الدنمارك باعتبارهم متطرفين وليسوا أهلاً للحوار, رغم التفاف أغلب الجاليات المسلمة في الدنمارك حولهم كما أسلفنا.
وفي هذا الخضم طلع علينا ما يسمى بمؤتمر الحوار الذي يعتزم الداعية عمرو خالد إقامته في الدنمرك بالتنسيق مع الحكومة الدنمركية, وبتجاهل تام لأئمة المسلمين في الدنمارك، بل ويصرح:"لن ألتقي بالمتطرفين من الجهتين"، وهو انحياز شبه تام للحكومة الدنمركية التي تصف الأئمة بالتطرف, لأنهم قاموا واستنكروا الإساءة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، ورغم أنهم لم يوصلوا الأمر إلى البلاد العربية والإسلامية إلا بعد أن فشلت كل محاولات الحوار مع الحكومة الدنمركية التي عمت وصمت ورفضت حتى مقابلة أعضاء السلك الدبلوماسي الممثل للدول الإسلامية.
ولم تكن احتجاجات الأئمة ومن وراءهم المسلمين تحت لواء"اللجنة الأروبية لنصرة خير البرية", إلا ردود فعل سلمية, وفي إطار مراعاة القوانين الدنماركية, وهو حق تخوله لهم الديمقراطية التي تتشدق بها الحكومة, ولا ننسى أن الحكومة النرويجية قد سارعت إلى الضغط على رئيس تحرير الصحيفة النصرانية المتصهينة حتى يعتذر إلى المسلمين على الهواء في مقر وزارة العمل والاندماج وبدعوة من الوزارة, فضلاً عن الأوامر التي أصدرها وزير الخارجية النرويجي منذ بدايات الأزمة إلى البعثات الدبلوماسية في العالم الإسلامي لإظهار الأسف، وعدم رضا الحكومة النرويجية عما صدر, ولا نريد بهذا تزكية الحكومة النرويجية ولا الدعاية لها, فلا تزال عليها مؤاخذات وخاصة على"حزب العمال"الذي يصر - رغم اعتراض حزب اليسار الاشتراكي شريكه في الائتلاف الحاكم, على عدم سحب القوات النرويجية من أفغانستان -, ولكننا بصدد بيان الفارق الهائل بين موقفي الحكومتين الاسكندنافييتين, مما يدل على مدى الصلف والتطرف الذي تتسم به الحكومة الدنماركية الحالية والتي تتعرض هذه الأيام إلى انتقادات كبيرة من أحزاب المعارضة وخاصة"الحزب الديمقراطي الاشتراكي"على مواقفها الرعناء في أزمة الرسوم المسيئة إلى مقام النبي صلى الله عليه وسلم ، وهكذا نجد مواقف المعارضة الدنماركية أفضل من مواقف طارق رمضان، وعمرو خالد!
ولاستجلاء حقيقة المؤتمر الذي تموله وتدعمه الحكومة الدنماركية، والذي من المقرر افتتاحه يوم الثامن من مارس الحالي, ودور عمرو خالد فيه, ووصفته الآلة الدعائية للحكومة الدنمركية بأنه"مؤتمر كبير للتهدئة والاعتدال في الثقافة والدين", اتصلت بفضيلة الشيخ رائد حليحل رئيس"اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية"المقيم في مدينة"أوغوس"في الدنمارك فوجدته في غاية الحزن من الطعنة التي وجهها لهم عمرو خالد، وفشل كل محاولات ثنيه عن صنيعه, سواء عبر اتصالهم به مباشرة، أو عبر الغيورين من العلماء والدعاة في أوروبا والعالم الإسلامي, وقد ذكر لي الشيخ رائد حليحل أنهم اتصلوا بجملة ممن ادعى عمرو خالد اعتزامهم المشاركة في مؤتمر الحكومة الدنماركية؛ فنفوا ذلك نفياً قاطعاً مثل: الشيخ سلمان العودة، والشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، والمفتي علي جمعة, وقد أوجز لي الشيخ رائد حليحل نقاط الاعتراض على هذا المؤتمر فيما يلي:
1ـ أنها مبادرة متأخرة قامت على فكرة أن الحكومة الدنماركية ترغب فعلاً في الحوار, في حين أن الواقع غير ذلك.
2ـ أن مبادرة عمرو خالد ليس فيها تنسيق مع العالم الإسلامي ومرجعياته الدينية، لأن القضية تهم أمة المسلمين جمعاء, وأن قضية بهذا الحجم لا يكفي فيها جهد فردي مهما كان تميزه.
3ـ تغافله عن مسلمي الدنمارك وعدم تنسيقه معهم, أو لقائه بهم, خاصة أن الحكومة الدنمركية لم توجه لهم دعوة للحضور.
4ـ هذا المؤتمر مناورة من الحكومة الدنماركية لضرب المسلمين في الدنمارك، وتكريس تهميشهم أكثر, والالتفاف على القضية الأساسية والأم.