فهرس الكتاب

الصفحة 3972 من 27364

يتساءل الباحثون: هل العولمة بنت هذا الزمان المتأخر أم لها جذور ضاربة في التاريخ الأوربي القديم؟ فيذهب البعض إلى أن العولمة ليست ظاهرة جديدة، بل بداياتها الأولى ترجع إلى القرن التاسع عشر، مع بدء الاستعمار الغربي لآسيا وأفريقيا والأمريكيتين، ثم اقترنت بتطور النظام التجاري الحديث في أوربا، الأمر الذي أدى إلى ولادة نظام عالمي متشابك ومعقد عرف بالعالمية ثم العولمة (1) .

وآخرون يذهبون في هذا الإطار إلى أن مصطلح النظام العالمي كان مستخدمًا منذ مؤتمر فيينا عام 1815م الذي قاده مترنيخ رئيس وزراء النمسا، وجدده بسمارك الألماني في سبعينيات القرن التاسع عشر، ثم تجدد ثانية على يد كلمنصو الفرنسي في مؤتمر فرساي عام 1919م، ثم تجدد في يالطا على يد الحلفاء في الحرب العالمية الثانية (2) .

والحق أن الباحث الذي يدرس التاريخ منذ أقدم العصور التي ظهرت فيها الإمبراطوريات إلى اليوم، يلاحظ أن قوة عظمى تريد أن تنفرد دائمًا بحكم العالم، وإخضاعه إلى مبادئها، فاليونان والرومان والفرس والتتار والإمبراطوريات الحديثة، كلها كانت تتجه هذا الاتجاه في الهيمنة والسيطرة. وأوربا الحديثة ذات التاريخ الاستعماري هي النموذج الجلي. في محاولة السيطرة والهيمنة؛ لأن الحضارة الحديثة تعد نفسها حضارة عالمية مركزية؛ فهي عالمية في أفكارها ومنتجاتها، وهي مركزية لأنها تدور حول نفسها في قيمها المبعثرة. ولذلك فإنها حضارة لا تعترف بغيرها من الحضارات، ويصل الأمر بقادة هذه الحضارة إلى أن ينكروا أي حدث مهم وقع في العالم قبل عصر هذه الحضارة.

يقول الأستاذ مالك بن نبي:"هذه الأقوال هي التي خلقت ثقافة الإمبراطورية الغربية التي تقوم على أساس السيادة العنصرية والاستعمار" (3) .

وأرى أن هيمنة العولمة على العالم اليوم بمواصفاتها الشاملة نتيجة لتطور الأوضاع السياسية والاقتصادية والعلمية، تمشي مع طبيعة الأشياء في تاريخ الغرب الحديث، وتمثل المرحلة الأخيرة في محاولة الحضارة الغربية للسيطرة على العالم ومحو الآخر.

ويعارض باحث آخر هذه النظرة ويذهب إلى أن العولمة ليست تطوراً عن الاستعمار الأوربي أو ظاهرة الثورة الصناعية، وإنما هي نظام كوني شامل جديد، مواصفاته لا تشبه مواصفات الإمبراطوريات السابقة (4) .

وهناك باحثون يرجعون بدايات العولمة الحالية إلى السياسات التي ارتأت أمريكا أن تسيطر بها على العالم، غير أن الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفيتي، أجلّت تلك الهيمنة إلى سنة 1989م؛ حيث ضعف الاتحاد السوفيتي وظهرت فيها نتائج سياسة البيريسترويكا التي حمل لواءها السكرتير العام الأخير للحزب الشيوعي السوفيتي ميخائيل جورباتشوف.

ويرجع صاحبا كتاب فخ العولمة البداية الحقيقية للعولمة إلى عام 1995م؛ حيث وجّه الرئيس السوفيتي السابق جورباتشوف الدعوة إلى خمسمائة من قادة العالم في مجال السياسة والمال والاقتصاد في فندق فيرمونت المشهور في سان فرانسيسكو لكي يبنوا معالم الطريق إلى القرن الحادي والعشرين. وقد اشترك في هذا المؤتمر المغلق أقطاب العولمة في عالم الحاسوب والمال وكذلك كهنة الاقتصاد الكبار، وأساتذة الاقتصاد في جامعات ستانفورد وهارفرد وأكسفورد. واشترك فيها من السياسيين، الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، ووزير خارجيته شولتز، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر ورئيس وزراء مقاطعة سكسونيا وغيرهم (5) .

والمشروع السياسي للنظام العالمي الجديد الذي انتهى إلى العولمة هو تفتيت الوحدات والتكوينات السياسية إلى كانتونات ودويلات صغرى ضعيفة ومهزوزة، ومبتلاة بالكوارث والمجاعات والصراعات والأزمات (6)

تابع معنا بقية محاور المقال:

مقدمة

العالمية والعولمة: تعريف وتمييز

تفاصيل فلسفة العولمة ونتائجها

معارضة العولمة

الفكر الإسلامي في مواجهة العولمة

نحو ميثاق إسلامي لمواجهة العولمة

عودة

(1) إعلام العولمة، ص70، مرجع سابق.

(2) المصدر نفسه، ص72.

(3) وجهة العالم الإسلامي، مالك بن نبي، ص27-28.

(4) العولمة واسترتيجية التفكير، ص34، مرجع سابق.

(5) فخ العولمة، ص22- 23، مرجع سابق.

(6) العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط - مفاهيم عصر قادم، سيار الجميل، ط1، بيروت، 1997، ص57.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت