شكلت فلسطين في الذهنية الغربية أهم منطقة جغرافية ودينية منذ زمن بعيد، لكن التحول العقدي الذي برز منذ أوائل القرن السادس عشر حوّل ذلك الاهتمام إلى توحد عقدي سياسي يرتبط بالتطلعات التي نشأت مع نشوء الدولة القومية في مجمل أوروبا.
ولما كانت الحملات الاستعمارية على أفريقيا وآسيا وحتى أمريكا تأخذ طابعاً أوسع من الطابع العسكري؛ فقد رافقت هذه الحملات حركات دينية تلعب لعبة التنصير في خدمة السياسة الاستعمارية الكلية.
أما في فلسطين فقد كان الأمر أعمق، وأكثر حساسية، فبروز المذهب البروتستانتي جعل التطلع إلى فلسطين يأخذ بعداً سياسياً تاريخياً وعقدياً، فالصهيونية الغربية راحت تركز أفكارها وتوجهاتها نحو ما يسمى أرض الميعاد، أو الأراضي المقدسة تمهيداً لربط اليهودية بهذه الأرض، وتمهيداً لما أسموه عودة اليهود إلى أرض أجدادهم، فإضافة لترويج هذه الأفكار ونشرها في أوروبا كان لابد من خلق موجهة من التحرك الاستشراقي والاثاري الغربي كي تكتمل دائرة التوجه الاستعماري نحو فلسطين، وكان المقياس في هذا التحرك إثبات ارتباط أرض فلسطين بالتوراة دون سواها.
والواقع أن تسلسل التحركات الاستشراقية يثبت أن موجة هستيرية اجتاحت العقل الغربي بشكل عام، وبات لدى الدوائر الغربية نهماً وشراهة في إيجاد أي صلة بين فلسطين واليهود.
ومن هذا المنطلق اختلط علم الاستشراق بعلم الآثار، وبات على الصهيونيين المسيحيين التوجه إلى فلسطين توجهاً فكرياً وتوجهاً آثارياً، فهناك من يروج لفكرة أرض الميعاد واليهود، وهناك من يرحل إلى فلسطين ينقب عن الآثار، ويدرس الواقع السكاني والاجتماعي، وفي المحصلة فإن هؤلاء وهؤلاء كانوا يحملون التوراة، ويتوقفون عند نص من نصوصها، ويقارنون ما يشاهدون أو ينبشون عنه في الأرض بما في النص التوراتي.
وأصبح من الواضح أن المستشرقين والاثاريين الغربيين جعلوا كل جهودهم في إثبات أن التوراة هي الأصل وهو المقياس، وأن علم الآثار ليس إلا وسيلة للوصول إلى مقولات التوراة، وأصبح نص هذا الكتاب بالنسبة لهم مقدساً إلهياً لا يحتمل الخطأ، حتى وإن أخطأ علم الآثار أو أصاب فإن التوراة لا تخطئ، وهي الأصح، وهي القانون الذي يقاس به أي اكتشاف أو أي نظرية تاريخية تخص أرض فلسطين.
وليس غريباً أن نجد أن التوجه الاستشراقي نحو فلسطين باعتبارها - أرض الميعاد - يدخل ضمن دائرة كبرى من حركة الاستشراق الغربي ككل، فمن المستشرقين من تخصص بدراسة الإسلام، والجزيرة العربية، ومنهم من تخصص بدراسة عادات الشعب العربي وتقاليده ومعتقداته، وآخرون تخصصوا بالأدب العربي خاصة الشعر، وغالبية هؤلاء كان هدفهم التشويه والتحريف والطعن والتشكيك، فلا يمكن في هذه الحال فصل أي توجه استشراقي عن دائرة المعركة بين الغرب والشرق، أو بين الأرض العربية الإسلامية وبين الغربيين وتوجهاتهم الاستعمارية.
والواقع أن الاهتمام الاستشراقي بفلسطين هو اهتمام مبكر جداً ويعود تقريباً إلى القرن السادس الميلادي، إلا أن التوجه المنظم والهادف والمرتبط بالدوائر الاستعمارية والتوجهات اليهودية راح يتشكل في القرون السابقة الأخيرة، وخاصة بعد انتهاء الحروب الصليبية والتقلبات التي حدثت في أوروبا.
إلا أن القرن التاسع عشر شهد أكبر الحملات الاستشراقية الاثارية، حيث صار من الواضح أن الحكومات الغربية وعلى رأسها الملوك في بريطانيا وفرنسا وهولندا وروسيا هي التي تبنت الحملات ومولتها، حيث أخذت بشكل ما طابعاً رسمياً منظماً، ولما بدا واضحاً أن اليهود راحوا يتحركون لإنشاء جمعيات صهيونية اجتمعت جهودهم مع جهود التوجه الصهيوني المسيحي لتشكيل تحركات واسعة نحو فلسطين.
ففي عام 1838 زار فلسطين ولمدة ثلاثة أشهر متوالية العالم اللاهوتي الأمريكي ادوارد روبنسون، وقد دون مع زميل له الأسماء العربية، ولاسيما الخاصة بالقرى والأماكن الأثرية، وفي عام 1850ـ 1863 لحقه العالم السويسري تيتس روبلر وقد عمل بالمسح الطبوغرافي لفلسطين، وقام بالكشف عن كثير من الآثار الفلسطينية.
ومنذ عام 1865 تأسست هيئة صندوق تمويل التنقيب عن آثار فلسطين، ويرجع أساس تكوينها لجمعية أحباء صهيون البريطانية، ومنذ ذلك الوقت توسع التفكير الغربي الاستشراقي والاثاري بفلسطين على اعتبارها الأرض المقدسة، وأرض الميعاد حسب التصور الصهيوني المسيحي.
ترافق هذا التطور مع حملة نابليون بونابرت على مصر، وبلاد الشام، وقد ركزت الجهود الغربية آنذاك على النشاطات الواسعة من رحلات وبعثات وجمعيات توراتية عدة وأخرى جاءت بقصد التنصير، وتنافست الدول العظمى آنذاك كبريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا على إيجاد موطئ قدم تبشيري في أرض فلسطين، وكان لا بد من أن يرافق ذلك توجه استشراقي واسع ومتخصص بأرض فلسطين.
ولعل أهم ما ميز هذا التحرك الارتباط الوثيق بين السياسة البريطانية والحركة الصهيونية، وحتى يمهدوا لتحقيق الطموحات الصهيونية فقد تصدى لحالة الاستشراق كبار ضباط الإنجليز الصهاينة والمرتبطين باليهودية ارتباطاً وثيقاً.