فهرس الكتاب

الصفحة 5871 من 27364

ساكوزي

يعاني مسلمو فرنسا من تهميش مزمن من قبل الحكومات الفرنسية منذ قدوم أوائل المهاجرين إلى البلد الذي يربض فيه تمثال الحرية، واستمر التهميش الذي لم يظهر للعلن على هذا المنوال حتى الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م..

ومع الحرب الأمريكية على ما يسمى"الإرهاب"والتي دعمتها بعض الدول الأوروبية، جعل الأمر يزداد سوءاً، والهوة تتزايد بين مسلمي فرنسا سواء كانوا من المهاجرين أو ممن دخلوا في الإسلام من الفرنسيين الأصليين وبين بقية المجتمع الفرنسي، فضلاً عن الحكومة.

وقد حاولت الحكومات المتعاقبة دمج المسلمين الفرنسيين في المجتمع الفرنسي بالقوة، بذريعة الخوف على العلمانية الفرنسية، دون دراسة علمية لواقع المسلمين والعمل على حل مشاكلهم.

وقد ازدادت الحملات تجاههم إلى أن ظهرت الأزمة التي يعانونها على السطح منذ ما عرف بشغب الضواحي عام 2005م، حين قام المئات من شباب الضواحي ومعظمهم من المسلمين من أصول عربية بإحراق مئات السيارات، احتجاجاً على التهميش الذي يعانونه داخل المجتمع الفرنسي.

ضعف الفعالية السياسية

وعلى الرغم مما يقدره الباحث والناشط الإسلامي الفرنسي"غازي وهبي"بأن هناك 4 ملايين مسلم يحملون الجنسية الفرنسية من بينهم نحو مليونين لهم حق التصويت نظراً لبلوغهم السن القانونية، علماً بأن إجمالي أعداد الناخبين الفرنسيين يبلغ 44.7 مليون ناخب، أي أن الصوت المسلم يمثل نحو 3 % من إجمالي حجم الأصوات، إلا أن حجمهم في التأثير على السياسة الفرنسية سواء تجاه مصالحهم بالداخل أو تجاه البلدان الإسلامية التي ينحدرون منها أقل بكثير من حجمهم الانتخابي..

ويعود ذلك لعدة أسباب منها، أن نسبة كبيرة منهم تعاني من الفقر والبطالة، والغالبية منهم تشتغل في أعمال غير ذي أهمية، فضلاً عن أنهم يسكنون في الضواحي الفقيرة على شكل"كانتونات"كالتي كان يعيش فيها اليهود داخل أوروبا قبل الحرب العالمية، كما أنهم لا ينحدرون من مجتمع واحد؛ على الرغم من الثقافة الإسلامية التي تجمعهم جميعاً تحت سقفها.

وبالتالي فإن بعض المشاكل التي يعانونها هي بدورها ناشئة أصلاً عن مشاكل أخرى سواء منها، داخلية تعود إما لإهمال المسلمين لمصالحهم أصلاً أو لإهمال الدولة الفرنسية لهم، أو خارجية ليس لهم فيها ناقة ولا جمل، حيث يحمل المجتمع الفرنسي فضلاً عن حكومته الجالية المسلمة أخطاء وتبعات بعض الحركات الإسلامية، الأمر الذي يصعب اندماج المسلمين في المجتمع الفرنسي، بسبب التمييز العنصري والديني وللصورة المشوهة التي تشكلها وسائل الإعلام الغربية في ذهن المواطن الفرنسي عن الدين الإسلامي والشعوب المسلمة.

إلا أن السبب الأكثر حضوراً وأهمية في الحالة الصعبة التي يعيشها مسلمو فرنسا يعود للافتقار لرؤية موحدة تجمعهم في التعامل مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة، على الرغم من أن المسلمين حاولوا في الآونة الأخيرة، الانتظام في جمعيات على شكل لوبي، بعد أن بدأت الجمعيات الإسلامية تشجعهم على ذلك، إلا أن الحكومة الفرنسية أجهضت هذا المشروع، عبر سلسلة من الإجراءات التي حالت دون ذلك حتى الآن.

والسبب في هذه الهوة بين التقديرات الرسمية وتقديرات المنظمات الإسلامية أن إجراء التعداد السكاني على أساس ديني أو عرقي محظور قانوناً في فرنسا.

ويرجح الباحث والناشط الإسلامي الفرنسي"غازي وهبي"عدد مسلمي فرنسا حالياً ما بين 8 و10 ملايين مسلم من مختلف الجنسيات المغاربية والإفريقية والآسيوية والأوروبية، فضلاً عن ذوي الأصول الفرنسية؛ حيث يشكلون حوالي 10% من عدد سكان فرنسا.

غموض مستقبل المسلمين

لا يمكننا الجزم بالطريقة التي سيتعامل بها الرئيس الفرنسي الجديد"نيكولا ساركوزي"مع مسلمي فرنسا، خصوصاً بعد تلك التطمينات التي أطلقها عقب فوزه بأنه سيكون رئيساً لكل فرنسا، إلا أن شغله لمنصب وزير الداخلية سابقاً وعدم التفريق بين عصاه وجزرته في التعامل مع سكان الضواحي ألقت بثقلها حول المستقبل الذي ينتظر هؤلاء.

"فساركوزي"الذي وصف هؤلاء يوماً ب"الحثالة"لم يرد عنه خلال الفترات التي شغلها في وزارته أي تصريح يطمئن تجاه المسلمين.

"الفرنسة"قسراً

لقد مارس"ساركوزي"سياسة تطبيع المسلمين الفرنسيين بالقيم الفرنسية العلمانية قسراً، وقد تمثل ذلك بإنشاء"المجلس"

الفرنسي للديانة الإسلامية"عام 2002م، ليكون بمثابة هيئة رسمية للجالية المسلمة، ويختص المجلس برسم السياسة الاجتماعية للمسلمين، وبالتالي يعمل على قطع أي علاقة لهم بالبلاد التي هاجروا منها مع فرض قوانين عديدة عليهم، منها عدم السماح لهم بقبول أموال لمؤسساتهم الاجتماعية من دول المولد، فضلاً عن حق تعيين أئمة لمساجدهم، من الموظفين الحكوميين، والذين يعتنقون الأفكار العلمانية، مع فرض الرقابة الشديدة على خطب ونشاطات المساجد المنتشرة في أرجاء فرنسا؛ بل قام بطرد 21 من أئمة المساجد الفرنسية بتهمة التحريض الطائفي أو معاداة السامية."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت