فهرس الكتاب

الصفحة 8553 من 27364

الصواريخ الأمريكية تعجّل الطلاق الأطلسي

نبيل شبيب - بون

إذا كان تجدّد صراع النفوذ أوروبيًّا، وازدياد أسباب عدم الثقة بين الدول الأوروبية نتيجة الخبرات التاريخية الثقيلة الوطأة عليها - من شأنه أن يفسّر جانبًا من أسباب التعامل الأوروبي الشديد الاضطراب مع أحداث البلقان - فإنّ كثيرًا من تلك الأحداث قد عكست منظور الدعم الأمريكي لروسيا، وبالتالي تعزيز الموقع الأمريكي المهيمن لدى الأوروبيين بالمقابل.

ويوجد عدد من المعطيات الثابتة على هذا الصعيد:

-أوّلها أنّ علاقات موسكو بصربيا لم تكن وحدها كافية لفتح ثغرة أمنية تخترق بها السياسة الأوروبية والأطلسية في البلقان..

-ومنها أن روسيا نفسها كانت في غاية الضعف والانهيار داخليًّا عندما اندلعت حرب البلقان، ولم يكن عسيرًا التدخل أطلسيًّا أو دوليًّا دون توقع رد فعل روسي شديد..

-ومنها أن قضية البلقان بقيت فترة لا بأس بها خارج نطاق التأثير الروسي، فكان التعامل مع أحداثها يجري على أرضية السياسة الأوروبية في مؤتمر لاهاي ثم لندن..

-ومنها أنّ أوروبا نفسها كانت - رغم نزاعاتها على النفوذ في البلقان - كانت راغبة في وضع حدّ للحرب القريبة من عواصمها..

أمريكا فتحت ثغرة لروسيا

وقد طُرحت في حينه أسئلة عديدة عن أسباب التأخر زمنًا طويلاً عن اتخاذ قرار التدخل العسكري غربيًّا أو دوليًّا، رغم وجود دواعيه والقدرة عليه، بأضعاف ما كان في حرب الخليج الثانية. وكان المانع الرئيسي طوال الأعوام الثلاثة الأولى للحرب هو رفض واشنطن للتدخل أو امتناعها عن الموافقة عليه أطلسيًّا. ورغم أنّ السياسة الأمريكية في تلك الفترة كانت تتجه إلى تطوير حلف شمال الأطلسي ليكون أداة أمنية -عسكرية خارج نطاق الأمم المتحدة، فقد كانت واشنطن من وراء العمل على نقل قضية البلقان من ساحتها الأوروبية إلى ساحة الأمم المتحدة، حيث كان من المنتظر تلقائيًّا أن يصبح لموسكو دور مباشر في صناعة قرار الحرب والسلام فيها.. وهو ما يمكن وصفه بالثغرة الرئيسية لعودة موسكو إلى المشاركة في رسم معالم الخارطة الأمنية في أوروبا، وما ساهم بالمقابل في عودة التمسك الأوروبي بحلف شمال الأطلسي والموافقة على إعادة صياغة مهامه الأمنية وفق رغبات قيادته الأمريكية.

أمريكا توقع بين الدول الأوروبية

وعلاوة على تعزيز موقع موسكو أوروبيًّا، ساهمت السياسة الأمريكية في تعزيز مخاوف الدول الأوروبية الغربية بعضها من بعض، وهو ما يمكن التدليل عليه عبر مثالَين يشيران إلى مواقف يصعب تفسيرها على نحو آخر، منها:

التأييد الأمريكي السريع واللافت للنظر في أواخر عهد"جورج بوش"للوحدة الألمانية دون التشاور التقليدي في مثل هذه القضايا مع لندن وباريس، ورغم علنية الاعتراضات والمخاوف البريطانية والفرنسية آنذاك. ثم اتخاذ الرئيس الأمريكي كلينتون - في مطلع عهده ومع ازدياد التساؤلات الأوروبية - عن مستقبل دور ألمانيا الموحّدة، موقفًا استعراضيًّا يصف فيه ألمانيا بالحليف الأول في أوروبا، مثيرًا بذلك حفيظة الحليف البريطاني ومضاعفًا من اعتراضاته كما تشهد مذكرات"مارجريت تاتشر"إلى حدّ كبير .

وفي أثناء تبني ألمانيا دعوة التوسع الأطلسي والأوروبي شرقًا - وهو ما عارضته أمريكا - كان من الحجج الأمريكية التي وردت في لقاء قمة فرنسي - أمريكي الإشارة إلى تعاظم الدور الألماني في أوروبا نتيجة للموقع الجغرافي المتوسط، مما يمكن أن يكون على حساب فرنسا سياسيًّا وأمنيًّا. ومقابل ذلك كانت السياسة الأمريكية ترتكز على التعاون مع ألمانيا في منطقة البلقان كما في ألبانيا، وفي دفعها إلى إقناع فرنسا بالتخلّي عن مواقفها"السلبية"من حلف شمال الأطلسي. مع الإشارة لألمانيا إلى أن التميّز الأوروبي سيعزز المكانة القيادية لصالح فرنسا؛ بينما تعتبر ألمانيا الآن في موضوع الزعامة الأوروبية، اعتمادًا على الطاقة الاقتصادية والمالية وليس العسكرية.

شعرة كوسوفا"تقصم ظهر البعير"

صحيح أن أحداث البلقان كشفت منذ البداية عن نقاط الضعف في البنية العسكرية الأوروبية، ولم تكن مجهولة بطبيعة الحال. ولكن"التجربة"العملية كشفت عمّا يمكن أن تؤدّي إليه في الحالات الجادّة. ولا يقتصر الأمر على نوعيات التسلّح ومستوياته كما يتردّد في الوقت الحاضر؛ ولكن الأهم هو ضعف الثقة بين الدول الأوروبية، وتغليب المصالح المباشرة والذاتية على ما عداها.

فالتحرّك الألماني السريع لصالح كرواتيا وسلوفينيا والمضاد لصربيا، كان يقابله ميل السياسة البريطانية والفرنسية إلى دعم صربيا رغم وضوح ممارساتها العدوانية. وكان هذا الخلاف في مقدّمة ما استغله الأمريكيون ليصلوا في النهاية إلى"حلّ أمريكي"في دايتون من جهة، وكذلك إلى التشكيك المباشر في قدرة الأوروبيين على التميز بأنفسهم أمنيًّا وعسكريًّا خارج نطاق حلف شمال الأطلسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت