وكادت تتكرّر الصورة نفسها في كوسوفا، لولا أنّ الحرب الأطلسية ضدّ يوغوسلافيا من أجل كوسوفا وقعت في ظروف أوروبية جديدة، فقد استطاعت الدول الأوروبية الرئيسية تجاوز قدر كبير من مخاوفها تجاه بعضها بعضًا، كما ازدادت اقتناعًا بأنّها لا تستطيع التحرّك دوليًّا دون التكتل سياسيًّا وأمنيًّا. وهو ما انعكس في تنشيط ما بدأ تنفيذه في مطلع التسعينيات الميلادية، مثل تشكيل قوات تدخل سريع على المستوى الأوروبي، وترسيخ أرضية العمل الأوروبي الأمني القائم بذاته في منظمة"الاتحاد الأوروبي الغربي"، فضلاً عن التمسك بسياسة التفاهم مع موسكو على سياسة أمنية أوروبية مشتركة بدلاً من"المواجهة"مع موسكو لفرض تلك السياسة وتحت رداء حلف شمال الأطلسي.
وفي كوسوفا تجاوز استعراض الأمريكيين لموقعهم المهيمن على مجرى العمليات العسكرية نفسها، الخطوط الحمراء بالمنظور الأوروبي، فلم يَعُد الأمر يقتصر على مجرّد احتكار المراكز القيادية الرئيسية أطلسيًّا، أو حتى بعض أنواع التسلّح المؤثر في مجرى المعركة، وإنّما انتقل ذلك إلى مستوى الامتناع عن التعامل مع الدول الحليفة تعامل الأنداد على هذا الصعيد أثناء المعارك نفسها. وقد تسرّب من ذلك الحديث العلني عن مدى الانزعاج الأوروبي من عدم إطلاعهم في الوقت المناسب وبصورة كافية على الصور الاستكشافية المتجمعة لدى الأمريكيين عن طريق أقمارهم الصناعية.
ولعلّ أحد العناصر الرئيسية في قضية الذخائر المشعّة حديثًا، أنّ معظم الأوروبيين منزعجون من جرّاء عدم إطلاعهم بصورة كافية وفي الوقت المناسب على المخاطر المترتبة على تلك الذخائر لاتخاذ الاحتياطات اللازمة. وهو ما ينفيه الأمريكيون، فضلاً عن إصرارهم على استخدامها في المستقبل أيضًا. وهو ما يرفضه الأوروبيون، ليس من زاوية الحفاظ على سلامة جنودهم فقط، وإنّما للخشية أيضًا من عواقب استخدام تلك الذخائر المشعة في مواجهة أزمات على الأرض الأوروبية نفسها، كما في حرب البلقان، ممّا يضاعف مفعول ضغوط الرأي العام على المسؤولين.
في نهاية حرب كوسوفا لم يكن القرار الذي اتخذه الأوربيون في قمة كولونيا عام 1998م بشأن تشكيل قوة عسكرية أوروبية مستقلة عن حلف شمال الأطلسي جديدًا من حيث المضمون، وإنّما من حيث اللهجة التي استخدمت في صياغة هذا القرار وتعليله، والتي لم تَعُد تراعي الجانب الدبلوماسي تجاه الحليف الأمريكي. وتبديل لهجة الخطاب بين الجانبين هو ما يشير إلى وصول تطوّر علاقاتهما الأمنية في اتجاه الانفصال إلى مرحلة اللاعودة.
"الدرع الصاروخي".. الوصول إلى مفترق الطرق
لا يعني الوصول إلى مرحلة اللاعودة أن الانفصام المنتظر في أرضية العلاقات الأمنية بين الأوروبيين والأمريكيين سيقع بين عشية وضحاها. فكلا الطرفين يدرك ما يمكن أن يسبب ذلك من أضرار على حساب مصالحه ومخططاته الدولية. ولكن يعني أنّ كثيرًا من هذه المخططات المستقبلية بدأ كل من الجانبين يضعه انطلاقًا من مصالحه أولاً، فلا يراعي مصالح الحليف الآخر إلا بمقدار ما تفرضه الضرورة.
وإذا كان هذا يسري على خطوات التميز العسكري الأوروبي السالفة الذكر، فإنّه يسري بالمقابل على مشروع الدرع الصاروخي الأمريكي أيضًا. وقد كان طُرح في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق"ريجان"طرحًا مختلفًا تمامًا عن الطرح الراهن. واعتبر في حينه وسيلة أطلسية"مشتركة"للضغط على المعسكر الشرقي بأسلوب الردع العسكري وماليًا في الدرجة الأولى، إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة بالفعل..
ولكن الطرف الأمريكي تمسّك بالمشروع رغم زوال السبب الرسمي المعلن، والمشترك أطلسيًّا، ولم يمتنع عن تنفيذه في حينه إلاّ لأسباب مالية، وهو ما استدعى تعديله إلى مشروع مصغر، ولكن على أساس التقنية العسكرية نفسها. ثم تأجّل القرار في عهد كلينتون بسبب الإخفاق في بعض التجارب الأساسية للتأكد من هذه التقنية. وتحوّل في هذه الأثناء إلى مشروع عسكري أمريكي محض، وهذا في فترة لم يَعُد الاتحاد الروسي نفسه يملك من القوّة النووية أو الصاروخية الضاربة، ما يمكن أن يشكّل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة الأمريكية.
ولا داعي هنا للتأكيد أنّ طرح ما أثير تحت عنوان"خطر الدول المارقة"لا يزيد عن كونه فقاعة إعلامية محضة، بعيدة كل البعد عن الواقع فلا تستدعي نقاشًا جادًّا.. وهذا ما يدركه الأوروبيون والأمريكيون على السواء فيما يضعونه لأنفسهم من مخططات وسياسات أمنية وعسكرية. فلم يَعُد يوجد مبرر حقيقي للمشروع الأمريكي سوى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تنطلق بعيدًا عن الاعتبارات الأطلسية ومصالح الحلفاء، وبعيدًا عن أجواء الوفاق الدولي واتفاقاته، لتكون لها من القوّة العسكرية الذاتية ما يجعلها في المستقبل قادرة على فرض إرادتها السياسية والاقتصادية دوليًّا تحت مسمى النظام العالمي الجديد أو العولمة الحديثة.