فهرس الكتاب

الصفحة 5987 من 27364

أنور العسيري 27/7/1423

في أزقتها يتجول التاريخ ، على أطرافها تتناوب أقدام الفقراء و الحوار مع الأرض في منظومة البحث عن

الرزق ، حركة الناس المبعثرة في دكاكين مدينة البصرة العتيقة توحي بانتظام هذه العشوائية الجميلة.

شوارع السوق يتأرجح على ظهرها البسطاء . العمائم تتراقص على جوانب الدكاكين ... النساجون تتقوس ظهورهم في شكل فيسفيسائي بديع ... ...

فجأة عجلة السوق توقفت عن الدوران..الأيادي رفعت عن الخيوط ..انتظم الناس في تجمعهم سكنوا خلف طبول المنادي ... منادي الوالي يقترب من الجموع.. حوله، تقاطرت الناس ، لفوه كعمامة أصيلة تحتضن رأس فارسها.

أعينهم، أفواههم، أياديهم كلها فتحت تراقب منادي الوالي ، المنادي وقد ارتقى ساحة السوق على أكتاف أربعة من الرجال أسدل ستار البداية بالسلام ، زحفت كلماته محلقة في فضاء الناس:

قرر الوالي الهمام بيان الدين الإمام وبعد مشاورات مع خبراء العالم في السوق واحتياجاته والمال واستخداماته... أن يمنح أمتنا فرصة الكسب وذلك بزراعة الصوف الخام استفادة من سعره المرتفع هذه الأيام بما يحقق للبلاد وشعبها المقدام أمل الرخاء والسلام .

أخوكم في الإسلام /الوالي الهمام بيان الدين الإمام والي العراق ومصر والشام .

الأيادي في ألم تنزع العمائم من على أبواب الدكاكين ... لم يمهلهم الجو العاصف ....

أسبل المطر في المدينة ..فرق بإسباله موكب الناس.... ضجت شظايا الحنق في كلماتهم اختلطت بقصف الرعود المتتالي.

تفرق الناس... دوائر همساتهم نفذت آذان الجدران... باتجاه الشيخ الناصر (شيخ نساجي الأمة) انطلق نفر من النساجين همم يقظة ووجوه يبعثرها الغضب وقفوا أمام الشيخ الناصر...على كرسيه جلس، لحيته البيضاء ، استدارة وجهه ، مسارات السنين في جبينه صنعة حكمته.

حيوه بملامحهم الحزينة أدرك ألم الخطب لكنه ما توقعه..

الناصر: ما خطب أبنائي المهرة

أحدهم: انتهينا يا شيخ

أضاءت كلماته: لاينهيكم إلا الذي أحياكم .... ما لذي أصابكم …

أوردوا البيان على شيخ النساجين.. بدا في صمته المطبق حوار أدرك كنهه الموجودون..

الناصر: اذهبوا إلى حاجب الوالي واستأذنوا لي في مقابلته فلعل في الأمر لبس .

مضى النساجون ومضى الشيخ إلى ذهنه ،سأل نفسه: رباه ماذا يدور في ذهن الوالي ....

اخترق بوابة القصر ....هرم من العمائم اغتصب قلب الحديقة كان في شكل بديع ،قصر من العمائم .... استسلم لابتسامته المطحونة:أتلبس الأرض عمائمنا قصراً وتخلو رؤوسنا منها...تابع المسير يتقدمه الحاجب ?…?لبرهة استوقفه رجال القصر، اكمل بعدها مسيره دخل مجلس الوالي كان خالياً جلس ينتظر مجيئه

صوت الوالي يسبق خطواته استقام الشيخ حيا ه..

على يمين الوالي جلس، صمت احتسى المكان اخجل في نفس الناصر ومضة الإقدام لكنه لم يمحها قلبت طاولة الصمت إشارة الوالي.

الوالي:ما خطبك أيها الناصر .؟

الناصر: جئت رغبة في فهم أكثر لمضمون البيان الذي تلي اليوم.. فسوق البصرة العتيق تأكل أنفاسه الشكوك.!

الوالي:اسمع أيها الناصر أنت حكيم، ولا أظنه يخفى عليك ما تمر به بلادنا من فقر أجدب الخزينة ... من الأولى أن نبيع الصوف الخام فمدخوله وافر.. والبلدان الصديقة تسعى لدفع ثمنه ذهباُ ...

الناصر:ارفق بنساجي أمتك ..في نسجهم معان.. هم لا ينسجون عمائم هم ينسجون تاريخاً.

الوالي: أنا ارفق الناس بهم وبكسبهم يا هذا ... ومع ذلك فعمائم الروم سعرها زهيد …

الناصر: أو تعتقد أن الروم ينسجون عمائمنا! ...إنهم ينسجون تاريخهم ... كيف لأبناء البصرة التي اشتهرت بنسج العمائم حتى لقد طرز اسمها قصركم الميمون .. ( قصر العمائم ) كيف لها أن تلبس تاريخهم ؟

الوالي: ويحك أيها الناصر ...قد جاوزت في كلامك الحد .

الناصر: بل والله قد رأيت الحق فقلته ... لماذا تذبح صنعتنا ويستباح نسيجنا ؟

استشاط الوالي غضباً.. ملء كؤوس حنقه ..صرخ قائلاً: لن ترى عيناك النور بعد الآن أيها العجوز الحالم .

أمر حرسه بسجنه.. ساروا به إلى الزنزانة ... وجهها المظلم استقبله بفرح ...ارتكن إلى زاوية صغيرة نظر إلى السماء...ناجى ربه ...تأمل حاله ...استلقى على ظهره ... لثم فاه نومه .. عانقه ... التهمه النعاس

...المساء يتأمل سوق الععمائم وقد خلا من أهله غاب عن صمته ، نثر همه مع النجوم أخذ من سناها حلمه ..ألهمه انبعاثها أملا ...ألقى بكتفه على السوق غاب السوق في سواده .

لحظات وانطلقت المفاجأة:

.... الليل صار نهاراً ...أبواب المدينة أغلقت .... صهيل خيول يفترس الأرض ... نيران تشتعل في المكان .... فرسان تصعد أكتاف القصر.... تهاوت رؤوس العامة دكاكين البصرة انتهكت ... قصر العمائم تهاوى على الأرض، سيوف تهدمه تقطع خيوطه، صارت العمائم كومة قش .... استفز الأمر.. الحرس قاوموا الفرسان ما استطاعوا ... الوالي حمل على خوفه سار بيده السيف ... خبئ أهله في حجرة بعيدة.. انطلق يبحث عن الصوت ... فاجئوه .. قفزوا إليه (كان يلبس عباءة أهداها له ملك الروم) ... تقدم أحدهم من الوالي ... أمام نظرات سيوفهم ألقى سيفه ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت