يزيد حمزاوي
من سخرية السياسة في قرننا الواحد والعشرين، تحت قبة النظام العالمي الجديد، تبني بعض الإمبراطوريات الغربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا دبلوماسية مبتكرة في تعاملها مع الأنظمة العربية و"الإسلامية"، وهي دبلوماسية دعوة بعض رؤساء الجاليات المسلمة وبعض السفراء، للإفطار في الخارجية أو الكونجرس أو حتى البنتاجون!
وقد تعددت هذه المناسبة البريئة في السنوات الأخيرة، حتى صارت"بروتوكولًا"سنويًا ينظمه الساسة الغربيون ويلقون إثره الخطابات والكلمات، التي تمجد حرية التدين والمساواة في أداء الشعائر التعبدية، بين جميع طوائف البلد المنظم لذلك"البروتوكول"، ويحرص الخطباء من وزراء خارجية أو جنرالات أو ساسة من أصحاب القرار الكبار، أن يهتبلوا تلك الفرصة الرمضانية أمام مسؤولي الجالية المسلمة، لعرض كلمات رنانة وعبارات طنانة، عن مدى احترامهم للإسلام وتقديرهم للمسلمين، وخصوصًا من الجالية.
وفي بعض الأحيان يتجاوز أولئك الخطباء ذلك السقف ليشيدوا بالإسلام المسالم والمتسامح، الإسلام الحضاري الذي ينبذ العنف والأصولية وهضم حقوق الإنسان والمرأة، وقد سماه ساركوزي (وزير المالية الفرنسي) قبل سنين"إسلام الجمهورية الفرنسية"، ويبدو أن هذه الإمبراطوريات المُجوعة للشعوب، هالتها الدراسات والاستطلاعات والمؤشرات المتدنية، التي تعبر عن مدى تدني شعبيتها وإفلاس أسهمها، بين شعوب العالم قاطبة، وبالأخص شعوب العالم الإسلامي.
من سخرية السياسة في قرننا الواحد والعشرين، تحت قبة النظام العالمي الجديد، تبني بعض الإمبراطوريات الغربية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا دبلوماسية مبتكرة في تعاملها مع الأنظمة العربية و"الإسلامية"، وهي دبلوماسية دعوة بعض رؤساء الجاليات المسلمة وبعض السفراء، للإفطار في الخارجية أو الكونجرس أو حتى البنتاجون
إن جميع التقارير التي ترفعها الصحافة والهيئات الرسمية وغير الرسمية، تبين بأن الولايات المتحدة الأمريكية ومن معها في المعسكر الغربي يحظون بكراهية شديدة بين جميع الأوساط في عالمنا الإسلامي، لكن للأسف أن تلك النظم الغربية لا تبحث عن تفسير منطقي لأسباب تلك الكراهية المتزايدة.
بل وفي خطوات مغالطة تقدم لنفسها مجموعة من التفسيرات، التي لا تلامس الحقيقة في جوهرها، من بين التفسيرات لتلك الكراهية، حسب بعض الغربيين، هي البروبجندا الكاذبة التي تشحن بها بعض الشعوب الإسلامية، على يد بعض حكامهم الديكتاتوريين لتبرير فشلهم بإلقاء اللوم على الغرب، ومؤامراته التي لا تنقطع منذ عهد الاستعمار إلى الآن.
كما أن تفسيرات أخرى تعيد تلك الكراهية إلى الخطاب الإسلامي الديني، الرافض للتطور والعصرنة والفكر الليبرالي الديمقراطي الحر...، فالشباب المسلم وفق هذا التفسير، هم من الذين تغسل أدمغتهم في المساجد والمعاهد الدينية، لذلك فرياح الديمقراطية ستقضي على هؤلاء المتطرفين الذين يحتكرون التوجيه الديني، بل إن سياسيين من البيت الأبيض يعتقدون أن الشعب المسلم في مجمله ضحية، فهو شعب طيب يحب الغرب، ويتمنى أن يصبح مثله تمامًا، في كل شيء، لكن ثلة من رجال الدين جعلت من تلك الشعوب رهينة بين يديها
توجهها كيفما تشاء، وإن الشعوب المسلمة تتوق إلى اليوم الذي تأتي الجيوش الغربية لتحررها من نير الاستعباد الأصولي، الذي تفرضه كمشة من المتطرفين على عشاق الحضارة الغربية.
وهناك فريق آخر يعيد تلك الكراهية إلى قوانين الهجرة المتشددة، التي تفرضها الدول الغربية على شباب العالم الإسلامي، حيث إن هذا الشباب يأمل ويرجو أن تُمنح له تأشيرة لدخول بلاد الغرب، للإقامة فيها والتنعم بميزات المجتمعات المتقدمة ومناخ الحرية والرفاه، لكن قوانين الهجرة تعيق تلك الأحلام، وتحول دون أن يكون للشباب المسلم مستقبل محترم، مما يذكي حقدهم على الدول الغربية التي لا تفتح لهم حدودها.
وفي هذا الصدد يقول أحد الصحفيين: إن الكراهية الموجهة للغرب ليست ذات جذور أيديولوجية أو ثقافية أو سياسية، بدليل أن كل الشباب في العالم الإسلامي مستعد أن يتخلى عن هويته وجنسيته وجواز سفره مقابل أي جنسية أخرى من العالم الغربي، فضلًا على أن تكون الجنسية الفرنسية أو البريطانية أو الأمريكية!
هذا هو الوضع، فهل يغالط الغرب نفسه أم أنه يكذب عليها؟
وأيًا كان الأمر، فإن الغرب ينظر بعين عوراء، بل عمياء إلى جرائمه في فلسطين والعراق وأفغانستان، ووقوفه الجائر إلى جانب الظلمة ضد المستضعفين...، هذا خارج حدودها، أما في الداخل فليس الوضع أحسن حالًا، ففي فرنسا حملات التضييق على الأئمة على أشدها وحظر الحجاب في المدارس يراد تعميمه على الجامعات... وفي أمريكا قانون الوطنية يبيح للمباحث الفيدرالية والشرطة التجسس على مساجد المسلمين وغرف نومهم، والتنصت على مكاتبهم ومراقبة هواتفهم وصناديقهم البريدية والإلكترونية، واعتقالهم بدون تهمة وحجزهم على ذمة التحقيق لمدد طويلة...