عبدالرحمن العشماوي
المسلمون في هذا العصر يعانون من داء النسيان لما يجري في العالم، فما تكاد تمر أيام أو أسابيع أو شهور على حادثة من الحوادث أو موقف من المواقف حتى تغوص تلك الحادثة أو الموقف في عالم النسيان، وتذهب أدراج رياح الذاكرة المثقوبة لأمتنا.
وتبدأ هذه المشكلة في نظري من نسيان معنى سنن الله الكونية في هذه الحياة، وهو نسيان متولِّد عند مسلمي هذا العصر عن نسيان أكبر يتعلق بانصراف الأذهان عن آيات القرآن الكريم، والأحاديث الواردة عن الرسو صلى الله عليه وسلم .
ومن هنا تبدأ سلسلة «قاتمة» يعلو حلقاتها الصدأ من النسيان الذي يجعل الأمة في حالة غفلة مستمرة.
إن أعداء المسلمين من اليهود والنصارى وغيرهم من المتعصبين ضد ديننا الإسلامي الحنيف وأهله، لم يقصروا قولًا وفعلًا في التعبير عن روح العداء الموجودة لديهم، والتصريح بكثير من خططهم لمحاربة الإسلام والمسلمين، والإعلان الواضح في لقاءات وندوات ومؤتمرات كثيرة عن ضرورة ضرب المسلمين سياسيًا واقتصاديًا وفكريًا وعسكريًا وعقديًا قبل ذلك كله، وكأن أولئك الأعداء قد أمنوا جانب اليقظة عند المسلمين، فما عادوا يخشون من إعلان عدائهم، وتخطيطهم القريب والبعيد للهيمنة على العالم الإسلامي وخيراته.
وذلك ما يصرح به بعض قادة أعداء المسلمين الذين يدركون مدى الغفلة العميقة التي يواجه به المسلمون خطط الأعداء وتصريحاتهم، وقد روي عن موشي ديان انه قال ذات يوم للكنيست اليهودي في فلسطين بعد ان كشفت إحدى الصحف اليهودية بعض الخطط العسكرية اليهودية: لا تقلقوا فإن العرب لا يقرأون، وإذا قرأوا فهم لا يفهمون، وإذا فهموا فهم أعجز من أن يتحركوا لمواجهة خططنا.
وهذه النظرة إلى المسلمين ليست وهمًا ولا خيالًا ولكنها واقع معاش.
ألا ترون إلى أحداث أمتنا الإسلامية كيف يكاد يُنسي بعضها بعضا، وما تكاد تتصدر قضية من القضايا الإسلامية واجهة ذاكرة الأمة حتى تختفي حينما تبرز قضية أخرى، وقد أدرك إعلام أعدائنا هذا الخلل الكبير فأصبحوا يتلاعبون بأحداث أمتنا وقضاياها كما يشاءون، وأصبحوا يعبثون بذاكرة أمتنا المبتلاة بالنسيان بصورة مؤسفة..
تزداد الأحداث سخونة في الشيشان مثلًا وتستطيع هذه الأحداث ان توقظ وجدان الأمة المسلمة، وتحرك المسلمين للمناصرة والدعم لاخوانهم المسلمين المشردين، فلما تصل إلى درجة ذات خطورة من الإثارة، يتحرك الإعلام الصهيوني في الوقت المناسب ويركز على أحداث أخرى في أفغانستان أو كشمير أو فلسطين تركيزًا يصرف النظر عن الشيشان، ولربما اصطنع هذا الإعلام المعادي قضايا ذات بريق أخاذ ونفخ فيها روح الإعلام الصاخب وصرف بها الأنظار عن قضايا الأمة المصيرية.
ونحن هنا لا نبالغ في لوم الأعداء على ما يصنعون فهم يحتالون لأنفسهم، وإنما نلوم أمتنا المسلمة على هذه الغفلة، وذلك النسيان الذي يحول بينها وبين التعامل الصحيح مع القضايا والأحداث.
وما تزال أقلام مسلمة ترسخ هذه الغفلة بصورة مؤسفة.
وما بناء الآمال على الانتخابات الرئاسية التي تجري في أمريكا ودولة الكيان الصهيوني إلا دليل واضح على هذه الغفلة، فنحن نرى كيف ينشغل الإعلام العربي مثلًا بتلك الانتخابات ويبني آمالًا على فوز شخص على آخر ناسيًا ان السياسة العامة واحدة، والموقف السياسي الشامل واحد.
واضرب مثلًا بما يقال الآن عن الرئيس الأمريكي «بوش» من انه تجاوز الحدود في دعم الكيان الصهيوني، وانه رجل اليهود الأول في الولايات المتحدة.. إلى غير ذلك من الحديث الذي يدل على غفلتنا، ولا شك ان الأمة الآن قد نسيت ما كانت تقوله عن كارتر وريجان، وبوش الأب، وكلنتون من كلام يشبه إلى حد كبير ما يقال الآن عن «بوش» ، ولا بأس ان اذكر القراء الكرام بهذا الخبر الصحفي المنشور عام 1979م يقول: أثنى موشي ديان على الرئيس كارتر قائلًا: «إن كارتر وحكومته عملا لصالح إسرائيل أكثر مما عملته الحكومات الأمريكية السابقة» .. وقد نشر هذا الخبر في صحفنا العربية والإسلامية جمعيها تقريبًا ولكنه غاص في أوحال النسيان، وعليه تقاس أخبار أخرى مهمة.
إشارة
أنا لا أرى جورَ الأعادي عائقًا لكنَّ ضعفَ المسلمين العائقُ