فهرس الكتاب

الصفحة 1845 من 27364

د. زكريا مطر

أستاذ اقتصاد

يعتبر العالم الكندي مارشال ماك لوهان، أستاذ الإعلاميات السوسيولوجية في جامعة تورنتو، أول من أشار إلى مصطلح"الكوننة أو العولمة"globalization، عندما صاغ في نهاية عقد الستينيات مفهوم القرية الكونية، وهو الذي تنبأ أيضاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستخسر الحرب الفيتنامية، وقد تبنى هذه الفكرة من بعده زيبجينو بريجنسكي، الذي أصبح فيما بعد مستشاراً للرئيس الأمريكي كارتر (1977 - 1980) ، وأشار إلى أن تقدم أمريكا، التي تمتلك ما يزيد على 65% من المصادر الإعلامية، يمكن أن يكون (نموذجاً كونيًّا للحداثة) يروج للقيم الأمريكية التي تنادي بها كالحرية وحقوق الإنسان، وذلك عند سعيها حينئذ لإزاحة الأيدلوجيات الاشتراكية التي تبناها السوفييت المعادين للأمريكان، واعتمدت الولايات المتحدة في ذلك على شبكات تلفزة وقنوات فضائية وسينما ومراسلين في كل مكان في العالم ومن خلال الفضاء الكوني.

إن صياغة تعريف دقيق للعولمة مسألة ليست من السهولة بمكان؛ لوجود تعريفات لها بقدر الدارسين لها، حسب انتماءاتهم الفكرية ومستوياتهم الثقافية، ومواقفهم تجاه العولمة سواء بالرفض أو القبول.

ويمكن تقديم تعريف للعولمة من خلال التعريفات المتعددة، يجمع بين مفهومها وخصائصها، رغم أنها ما زالت في مراحلها الأولى، ولم تتبلور بعد إلى شكلها النهائي كالآتي:

العولمة هي تلك الحالة أو الظاهرة التي تسود في العالم حالياً، وتتميز بمجموعة من العلاقات والعوامل والقوى، تتحرك بسهولة على المستوى الكوني متجاوزة الحدود الجغرافية للدول ويصعب السيطرة عليها، تساندها التزامات دولية أو دعم قانوني، مستخدمة لآليات متعددة، ومنتجة لآثار ونتائج تتعدى نطاق الدولة الوطنية إلى المستوى العالمي؛ لتربط العالم في شكل كيان متشابك الأطراف، يطلق عليه القرية الكونية Global village.

تحول مفاهيم الاقتصاد ورأس المال

وقد اقترنت العولمة بظواهر متعددة استجدت على الساحة العالمية أو ربما كانت موجودة من قبل، ولكن زادت من درجة ظهورها، وهذه الظواهر قد تكون اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اتصالية أو غيرها، ولا شك أن أبرز هذه الظواهر هي الظواهر الاقتصادية التي أهمها:

1 -تحول الاقتصاد من الحالة العينية (الأنشطة التقليدية كتبادل السلع عينيًّا بالبيع والشراء) إلى الاقتصاد الرمزي الذي يستخدم الرموز والنبضات الإلكترونية من خلال الحواسب الإلكترونية والأجهزة الاتصالية، وما ينتج عن ذلك من زيادة حجم التجارة الإلكترونية والتبادل الإلكتروني للبيانات في قطاعات التجارة والنقل والمال والائتمان وغيرها.

2 -تحول رأس المال من وظائفه التقليدية كمخزن للقيمة ووسيط للتبادل إلى سلعة تباع وتشترى في الأسواق (تجارة النقود) ؛ حيث يدور في أسواق العالم ما يزيد على 100 تريليون دولار (100 ألف مليار) يضمها ما يقرب من 800 صندوق استثمار، ويتم التعامل يوميًّا في ما يقرب من 1500 مليار دولار - أي أكثر من مرتين ونصف قدر الناتج القومي العربي - دون رابط أو ضابط، وهو ما أدى إلى زيادة درجة الاضطراب والفوضى في الأسواق المالية، وأعطى لرأس المال قوة لفرض شروطه على الدول للحصول على أقصى ما يمكن من امتيازات له. وقد أدى هذا كله إلى زيادة التضخم نتيجة لزيادة قيمة النقود.

3 -تعمق الاعتماد المتبادل بين الدول والاقتصاديات القومية، وتعمق المبادلات التجارية من خلال سرعة وسهولة تحرك السلع ورؤوس الأموال والمعلومات عبر الحدود مع النزعة إلى توحيد الأسواق المالية، خاصة مع إزالة كثير من الحواجز الجمركية والعقبات التي تعترض هذا الانسياب بعد إنشاء منظمة التجارة العالمية، التي بدأت نشاطها في بداية عام 1995م، وهو ما يشاهد الآن بعد توحًّد بورصة لندن وفرانكفورت اللتين تتعاملان في حوالي 4 آلاف مليار دولار، وكذلك توحد بورصات أوروبية أخرى، وهناك اتجاه متزايد نحو إنشاء سوق مالية عالمية موحدة تضم معظم أو جميع البورصات العالمية، وتعمل لمدة (24) ساعة ليمكن المتاجرة في أسهم الشركات الدولية من أي مكان في العالم. وقد ترتب على إزالة الحواجز والعوائق بين الأسواق أن أصبحت المنافسة هي العامل الأقوى في تحديد نوع السلع التي تنتجها الدولة وبالتالي فإن كثيرًا من الدول قد تخلت عن إنتاج وتصدير بعض سلعها؛ لعدم قدرتها على المنافسة مثل صناعة النسيج في مصر التي انهارت أمام منافسة دول جنوب شرق آسيا، وأصبحت تلك الدول تحصل على حاجتها من دول أخرى لها ميزة تنافسية في إنتاج تلك السلع، وهو ما ينطبق أيضاً على رءوس الأموال التي أصبحت مركزة في بعض الدول المنتجة والمصدرة للبترول، وعلى الدول التي تحتاج إلى تلك الأموال أن تحصل عليها من الدول المتقدمة.

دور أكبر للمنظمات العالمية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت