فهرس الكتاب

الصفحة 4892 من 27364

طلعت رميح

30 ربيع الأول 1426هـ الموافق له 9 مايو 2005م

قبل أن أُدعى للمشاركة في برنامج الاتجاه المعاكس حول ظاهرة 'الليبراليين العرب الجدد'؛ لم أكن أدرك حجم الخطر الذي يمثله هؤلاء على الأمة، كنت من قبل أكتفي بمتابعة بعض ما يكتبونه بين الحين والآخر دون يقظة كافية بأنهم يتحولون إلى تيار في المنطقة العربية، وكان الأمر يبدو لي أن ما يجري ليس أكثر من أقلام تنفث سموماً - وكم من الأقلام التي تؤدي مثل هذا الدور -، كنت لا أعير الأمر كثير اهتمام، إذ في مثل هذه الفترة الحرجة التي تعيشها الأمة الإسلامية؛ من الطبيعي أن تظهر أقلام مرتبكة أو مهزوزة أو ضعيفة، أو نافثة للسم في أفئدة وعقول المواطنين بوعي أو بدون وعي.

لكن ما إن شرعت في البحث في هذه الحالة حتى وجدت أن الأمر جد خطير، ولكثرة ما قرأت وتابعت ودققت كان الهاجس الأخطر الذي وجدت نفسي مضطراً لمواجهته هو قضية التوصيف، كيف أصف هؤلاء؟ هم سموا أنفسهم الليبراليين الجدد، وقيل عنهم إنهم الليبراليون العرب الجدد - كما وصفهم الدكتور فيصل القاسم - لكني وجدت أن الأمر أخطر بل هو مرعب، وكان توصيفي لهم هو: المتصهينون العرب الجدد.

ومن هنا نبدأ، كيف يكون هناك عرب ومتصهينون؟ وكذا لم أضفت كلمة الجدد؟

متصهينون وعرب وجدد!

كما أن العربي يصنف بإسلامي أو قومي أو وطني في التوصيف العقدي أو السياسي فمن الممكن أيضاً أن يكون هناك عربي ومتصهين، مثلاً: كيف نسمي الشخص العربي الذي ينطق العربية أو من أب وأم عربيين، بينما هو عضو في حزب الليكود أو العمل؟ هو متصهين حتى وإن كان ناطقاً بالعربية أو من أصل عربي، وكذلك فكما هو معروف، فإن هناك لوبياً صهيونياً في أمريكا أو فرنسا أو بريطانيا، بعضهم من غير اليهود أو هم من الأمريكيين أو البريطانيين والفرنسيين ومن ثم فمن الممكن أن يكون هناك عربي ومتصهين، وأيضاً تجوز التسمية نظراً لأن الصهيونية نمط من التفكير، وحركة عنصرية يمكنها أن تجذب أفراداً من كل جنسية من الذين يكرهون أمتهم.

أما لماذا سميتهم بالجدد فذلك لأن هناك من تصهينوا من قبل في المنطقة - مع اختلاف الدور والمهمة والوظيفة -، وهو ما تم كشفه في تلك المرحلة عندما لاقوا مقاومة عنيدة من إسلاميين، ومن أصحاب آراء أخرى قومية ووطنية، وصفوهم باللوبي الصهيوني في معارك سياسية، وبعدما وصلت الأمور إلى المحاكم في بعض الأقطار العربية... إلخ.

وتعبير 'جديد' هنا لا يمثل محاولة لتمييز جيل جديد عن الجيل القديم فقط، ولكنه يعود بالأساس إلى أن دور المتصهينين العرب الجدد دور جديد مقارنة بالقدامى، وأنهم بالفعل يطرحون مشروعاً جديداً.

فإذا كان المتصهينون العرب القدامى يلعبون دورهم بصورة 'متخفية'، ويمارسون التخريب المستتر من خلال طرح شعارات التعاون مع 'حركات سلام داخل الكيان الصهيوني'، أو من خلال تخريب المقدرات الأساسية الداخلية للمجتمعات العربية والإسلامية على المستويات الاقتصادية أو السياسية إلخ، فإن المتصهينين العرب الجدد صاروا يطرحون مشروعاً صهيونياً متكاملاً، كما صاروا يعملون جهاراً لخدمة الحركة الصهيونية وبلا مواربة، وكذا أن نشاطهم التخريبي لم يعد مقتصراً على العمل المستتر أو المموه في السياسة - كما كانوا في البداية حينما تبنوا مقولات تتحدث عن عدم موائمة العمليات الاستشهادية للمصلحة العربية، أو بالحديث عن عدم وجود توازن قوى يسمح بالعمل المسلح ..إلخ -، بل باتوا يسفرون عن وجههم في الحركة والنشاط والكتابة، كما باتوا بشكل سافر يهاجمون الإسلام، ويطعنون في العقيدة بشكل مباشر، وهي حالة جديدة وصلوا إليها بالعمل تحت الحماية المباشرة للجيش الأمريكي بعد احتلال العراق، وبسبب حالة ضعف أنظمة الحكم العربية والإسلامية.

كيف جرى وصفهم من قبل؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت