ولم يكد رواد العلمانية (اللادينية) ودعاتها يطلقون الطلقة الإعلامية الأولى ضد الدولة الدينية، والحكومة الدينية، والحرب الدينية؛ حتى تحمس الكثير من الكُتاب، لا ليدفعوا عن أنفسهم الصبغة الدينية، بل ليقرروا للناس أن الإسلام برىء من كل دولة دينية وحكومة دينية، ومن كل ما هاجمه اللادينيون أو وصموه! وخرج من صفوف المسلمين بعد ذلك أناس حملهم الإخلاص وحفزتهم الغيرة، يدعون المسلمين للخروج من الأساليب التقليدية، والتحرر من القوقعة والجمود، وطلب هؤلاء من المسلمين أن يحافظوا على النظام الديمقراطي العلماني مادام يكفل لهم حرية الدعوة والحركة، بل رأوا أن من الواجب أن يساهم المسلمون في إقامة هذا النظام إذا لم يكن قائماً، وكان ذلك من دعاة غيورين، يتألمون لتقصير المسلمين، مع أنهم يعلمون أن حرية الأنظمة اللادينية إنما هي حرية مقنّنة مبرمجة، وأن الكل متفق على وجوب اتباع سياسة القهر والإذلال للدعاة، والوقوف في سبيل الدعوة، ولكن في الوقت المناسب، والشكل المناسب! ! ! لقد ثارت أوربا لتدفع اضطهاد الذين حكموها باسم الله، وزعموا للشعب أنهم ظل الله، وسلطانه على الأرض.
وحمل الإنسان الأوربي في أعماق شعوره حساسية مدمرة ضد كل ما هو ديني، أو يمُت للدين.
ثم انتقلت عدوى هذه الحساسية المدمرة إلى حس رواد وأتباع اللادين في عالمنا! وإنما يهمنا في الدرجة الأولى أن يستيقظ المسلم المخدوع بهذه الشعارات، والمنوم ببريقها، نريد أن يعلم المسلم حقيقة التناقض العقَدي بين التوحيد الذي يحمله في قلبه - ثم لا يمنعه ذلك أن يسير خطوات بعيدة في سبيل غير سبيله - وبين الفلسفة الكافرة التي أنشأها وصنعتها، ونحن مع الذين يستنكرون الاستغلال بكل أنواعه في استنكارهم دون أن يكون هذا الاستنكار وسيلة تحمل المسلم على التخلي عن إيمانه.
وأما الدساتير التي صُدّرت إلينا فهي نسخة عن دساتير أوربا التي تقول: ( دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله) ، قد يضاف إلى بعض الدساتير عبارة تناسب عواطف الشعوب المسلمة، حيث يقال لها إن الإسلام دين الدولة، أو أن الشريعة مصدر القوانين.
وستجد مَن يوضح لك أن الشعب مصدر السلطات التي ليس فيها حكم شرعي، فسلطانه خارج دائرة سلطة الشريعة! !، ومع أن كلمة (الشعب) تتسع لتشمل كل النوعيات الهابطة والرفيعة، من ذوي الاختصاص والعلم، وأهل الرعونة والطيش؛ فإنك تجد في نص الدستور أن من حق الأغلبية تغيير مواد الدستور، من خلال القنوات الرسمية؛ باعتبار الأغلبية تمثل رأي الشعب، إذن فعندما يقرر الشعب نظرياً - أو الذين يحكمون باسم الشعب - أن يغيروا المظاهر الإسلامية في الدستور يكون هذا التغيير دستورياً وصحيحاً، ولا معنى للاعتراض عليه.
وإذا لاحظنا أن عبارة (الإسلام دين الدولة) عبارة طارئة على النظام اللاديني (الديموقراطي) ودخيلة عليه، ومتناقضة معه، وأن المعاني التي تحملها هي أقل مواد الدستور قوة وتأثيراً ودواماً، بينما اعتبار الشعب مصدرا للسلطات، إنما هو جوهر الديموقراطية - علمنا من ذلك أن اعتبار الإسلام ديناً للدولة لم يأتِ استمداداً من أمر الله وسلطانه، بل هو مستند إلى سلطان الشعب ورأيه؛ وبذلك يجعلون سلطان الله - تعالى - محكوماً بسلطان الشعب ومستمداً منه، وبينما كانت تلبية الجاهلية تضع سلطة أصنامها - نظرياً - دون سلطة الله؛ إذا بالجاهلية الصليبية الحديثة تريد أن تخادعنا عن ديننا، وتقودنا إلى جاهلية أشد ضلالاً وانتكاساً من الجاهلية البائدة، فهل يتنبّه المسلمون لحقيقة الفتنة التي ذر قرنها في ديارهم، وهل يعيدون الوحدة المفقودة بين العقيدة الإسلامية، والأصول العلمية والسياسية، وبين المنهج الرباني في الحركة والتطبيق؛ ليعود الإيمان وحدة متكاملة في الاعتقاد والعلم والعمل؟ !
(1) وردت هذه التلبية حكاية في حديث متفق عليه.
(2) وهو ما يُدعى بالفكر العلماني!.