فهرس الكتاب

الصفحة 475 من 27364

محمد خليفة

قضية شحنة الطحين الأسترالي التي استوردتها الحكومة العراقية والتي أظهرت التحاليل أنها تحوي علي برادة الحديد السامة، تفتح الباب واسعًا أمام التساؤل عمن يتربص بالشعب العراقي ويسعي إلى هلاكه. فالشحنة التي بلغت 355 ألف طن، لم تشترها الحكومة العراقية من السوق السوداء، بل هي صفقة نظامية بين حكومتين ودولتين، هما أستراليا والعراق. وقد قبضت الحكومة الأسترالية ثمن الصفقة، لكنها عوض أن تقدم الطحين الجيّد للعراقيين، قدّمت لهم فيه السمّ، وقد تدخّلت يد القدر فحالت دون توزيع هذا الطحين على الأفران في العراق، إذ لو أن ذلك حدث، لكان هلك ملايين من العراقيين. ويعود الفضل في اكتشاف هذه الشحنة السامة إلى أحد الموظفين في وزارة التجارة العراقية، وربما يعمل فيها بصفته مراقب أغذية.

وقد قام هذا الموظف بفحص الشحنة، فوجد فيها نسبة عالية من برادة الحديد، وهي مادة تؤدي إلى إصابة الإنسان بأمراض الدم وخاصة سرطان الدم. وقام هذا الموظف المخلص بتقديم تقرير إلى وزير التجارة العراقي محمد الجبوري، يلفت انتباهه إلى الغشّ الموجود في شحنة الطحين هذه، لكن الوزير بدلًا من الاستماع إلي كلام الرجل، بادر إلى إحالته إلى لجنة تحقيق خاصة في الوزارة. إلاّ أن الرجل لم يستكن لذلك، بل قام بتقديم تقريره إلى بعض أعضاء الجمعية الوطنية العراقية، وبادر هؤلاء إلى طرح الموضوع في الجمعية التي صوّتت لصالح اقتراح رئيسها حاجم الحسني باستدعاء وزير التجارة محمد الجبوري، ووزير الدفاع، ووزير الداخلية لاستجوابهم حول هذه القضية، وهو استجواب لن يؤدي إلى كشف هوية الفاعلين الحقيقية. فالجريمة لم تقع في العراق، بل وقعت في استراليا، وعلى الجمعية الوطنية العراقية أن تبحث عن الفاعلين في الحكومة الأسترالية. فهذه الحكومة مسؤولة أولًا وأخيرًا، عن سلامة المادة التي تبيعها، وهي هنا (الطحين) وقد أخلّت بهذا الشرط عندما كُشفت مواد سامة في المادة المباعة، ولم تُكشف هذه المواد في استراليا، بل بعد وصولها إلى العراق، وهذا يعني أن الفاعل قصد أن يصل الطحين السام إلى أيدي العراقيين ليتناولوه ويموتوا. فهل صفاقة الصفقة عائدة إلى كون استراليا التابعة للتاج البريطاني مرتبطة بحلف مقدس مع الولايات المتحدة، وهي شريك في الغزو الأمريكي ـ البريطاني للعراق، ويهمها أن ينجح هذا الغزو في تحقيق أهدافه؟ أم لإدراك كل من الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا أيضًا، أن المشروع الرامي إلي إخضاع العراق واستعماره، أخذ يبوء بالفشل، إذ ما زال العنف في تصاعد مستمر بعد مرور أكثر من سنتين على سقوط بغداد. أم لأن هاتين الدولتين الولايات المتحدة وبريطانيا خبرتا مدى الكره الذي يكنّه الشعب العراقي لهما، وعرفتا أن هذا الشعب لن يتوقف عن صموده إلا بخروج جيوشهما من العراق، فقررت إرسال الطعام السام للشعب العراقي بهدف إلهائه بالأمراض الخطيرة، لكي يفرغ لهما الجو لإكمال مخططهما الرامي إلى وأد روح المقاومة عند العراقيين؟ وإذا كان أحد العراقيين الشرفاء قد كشف عن هذه الشحنة السامة، فكم من الشحنات الغذائية السامة الأخرى تدخل إلى العراق بطرق مماثلة ولا يتم اكتشافها؟؟ لا شك أن الله وحده يعلم ذلك، فالعراق الآن مستباح من قبل الاحتلال وأعوانه الذين جعلوا من الدولة العراقية إقطاعيات خاصة لهم، وهذه الإقطاعيات يعشش فيها الفساد وتزدحم بكل ما هو غير شرعي وغير قانوني. ولا نعتقد أن قادة العراق الجديد سيبحثون عن المتسبب الحقيقي وراء شحنة الطحين المسموم، لأن هذا الأمر فوق طاقتهم. وإزاء هذا الواقع المرير، لا يبقي أمام الإنسان العراقي سوى الاعتماد على ما تنتجه أرض العراق من مواد غذائية حتى تنجلى هذه الغمّة ويعود العراق حرًا كما كان على مرّ التاريخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت