فهرس الكتاب

الصفحة 4893 من 27364

واقع الحال أن هؤلاء قد جرى وصفهم بأوصاف متعددة ومتنوعة، فهناك من وصفهم 'بأنهم الليبراليون المعدلون وراثياً الذين تم إنتاجهم وتعديل أدمغتهم في مختبرات وزارة الدفاع الأمريكية'، وقيل إنهم 'يقدمون نصائح مجانية لأمريكا، وأنهم مبشرون بالإصلاح على الطريقة الأمريكية'، وقيل إنهم 'أصحاب إيديولوجية تعتمد المخادعة، واتباع نهج المغالطات التاريخية المراد ترسيخها في ذاكرة المتلقي'، وقيل إنهم 'فئة نذرت نفسها لخدمة الشيطان، ووصل الحد ببعض منهم أن يرقصوا ويشربوا الأنخاب على مشاهدة صواريخ توما هوك تنزل على عاصمة الرشيد، ويشبهوا أصوات تلك الصواريخ بموسيقى بتهوفن'، وقيل إنهم 'عدميون جدد ليس لديهم إطلاقاً سوى الهدم والتخريب الفكري والأيديولوجي وجلد الذات'، وقيل إنهم 'مخبرون على كبر'، وإنهم 'حفنة من العملاء'، وقيل إنهم 'يشوشون ويشوهون جهود المثقفين العرب الوطنيين من ليبراليين وإسلاميين وديموقراطيين' وإنهم 'مثقفون أمريكيون من أصول عربية وإسلامية، تحولوا إلى متعهدين لتسويق أفكار هي في جوهرها من إفراز اليمين المحافظ في الولايات المتحدة'، وقيل إنهم بمثابة 'الواقي الذكري للاحتلال في العراق'، وإنهم 'قوم انسلخوا من دينهم وأمتهم وحتى عروبتهم وأصبحوا مجرد طابور خامس للغازي الأمريكي، يروجون لمشروعه، ويمهدون العقول له، ويدافعون عن جرائمه - خابوا وخسئوا -، وقيل إنهم 'يشبهون الإيدز الفكري الذي يدمر جميع الثوابت الفكرية المناعية الصلبة في الفكر العربي تمهيداً لإعادة تشكيلها في شكل ثقافة استسلام، أو وعي انهزامي بائس حسبما يروم به هوى السيد الأمريكي الصهيو - أمريكي'، وقيل عنهم 'أنهم أشد خطراً على الأمة من أعدائها'، وأنهم كالجنود المرتزقة الذين يعملون ضمن اتفاقيات وعقود مبرمة مع الطرف الأمريكي والإسرائيلي وبعض القوى الدولية - دولية وعربية وإقليمية - والتي تتماشى مع المشروع الأمريكي، لذا فإن همهم الأكبر هو الكسب المادي والوظيفي، وبمعنى آخر فالليبرالي الجديد والذي انغمس في المشروع الأمريكي والإسرائيلي هو كالأجير المؤقت لدى أي مؤسسة حكومية أو أهلية'.

ما هو دورهم تحديداً؟

من يتابع كتابات المتصهينين العرب الجدد يجدهم وبشكل مباشر يوجهون أقلامهم تجاه القضايا التالية:

أولاً: الطعن في الإسلام عقيدة وفقهاً، وحضارة وتاريخاً، سواء كان ذلك بشكل مباشر بالقول إن لا مقدس لا يمكن التفكير فيه بمنطق الصح والخطأ، وأن النص القرآني يجوز التعامل معه كنص تاريخي - والعياذ بالله-، أو كان ذلك بشكل غير مباشر عند بعضهم بالالتفاف حول التفسيرات، أو بالهجوم على كل تفسير صحيح للإسلام، وبشكل خاص للآيات القرآنية التي تتعلق بالجهاد، أو بالمواريث، أو بتعدد الزوجات، أو بقوامة الرجل على المرأة... إلخ.

ثانياً: الطعن في فكرة أننا أمة واحدة سواء على مستوى الفهم الإسلامي، أو حتى على مستوى الفهم القومي، واتهام كل مدافع عن فكرة الأمة بأنه عنصري وفاشي يحمل دعوة عنصرية ضد المجموعات البشرية الأخرى داخل الدول العربية - الأكراد، والبربر، أو الأفارقة - أو أنه يحمل دعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين... إلخ.

ثالثاً: التبشير بنهاية الوطن والوطنية، وأن الوطن لم يعد سوى مساحة جغرافية من الأرض، وأن المواطنين لم يعد يجمعهم سوى بعض الخصوصيات المتآكلة الآن بفعل العولمة، وترويج ما يسمونه الآن 'بالثقافة العالمية' التي يزعمون أنها باتت تحل تدريجياً محل الثقافة المحلية أو الوطنية، سواء كان ذلك انطلاقاً من فكرة زوال الحدود، وسيادة العولمة، أو كان ذلك حسب مفاهيم انتهاء الدولة القومية.

رابعاً: الدعوة بكثافة إلى كل ما يثير الاضطراب داخل المجتمعات الإسلامية والعربية - بتأليب الأعراق والأقليات ضد الأغلبية -، وداخل كيان الأسرة - حقوق المرأة من وجهة النظر العلمانية -، والدفع بالحوار الفكري إلى قضايا تغيير العقيدة - حرية الفكر بالمعنى اللاديني للتفكير -...إلخ.

هذا عن ما يطرحونه أما أهدافهم فالفكرة المبسطة والأولية هي أنهم يؤدون دوراً يعجز عنه الأعداء، أو هم بالدقة يقومون بالدور الذي يعجز عنه أعداء الأمة بقواتهم العسكرية، وبشكل أكثر دقة فهم يقومون بالدور الذي يكمل مهمة الغزو العسكري، حيث الحروب لا تنجح أبداً في تحقيق نتائجها إذا اقتصرت على العمل العسكري - بل حتى العمل العسكري لا يتم دون حرب نفسية -، إذ أن العمل العسكري في حد ذاته لا ينجم عنه إلا هزيمة القوة العسكرية للبلد الذي تجري مهاجمته أو يجري العدوان ضده، وهو أمر لا ينجم عنه هزيمة لإرادة المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت