فهرس الكتاب

الصفحة 7730 من 27364

خامساً: الإدارة الأمريكية تراهن في إمكانية فرض مشروعها على استمرار زخم اندفاعها العسكري ونجاحه وهذا أمر مشكوك به في ظل ارتفاع العجز في الميزانية الأمريكية بشكل غير مسبوق والبالغ 500 مليار دولار، مع دين يقدر بـ 7 تريلون دولار، وجاءت مؤشرات الأداء الاقتصادي الأمريكي التي تنذر بتباطؤ اقتصادي لتزيد من حدة الجدل واتهامات بلجوء إدارة بوش إلى تجميل الأرقام، وتشي الأرقام بأن معجزة التسعينيات التي وفرها ارتفاع معدلات نمو القطاع المالي لن تتكرر، مع بقاء القطاعات الإنتاجية الأخرى (الزراعة - الصناعة - التكنولوجيا - الخدمات) دون معدلاتها الأوروبية، وهو ما يسميه د. سمير أمين الطابع الطفيلي للاقتصاد الأمريكي، من كل ما سبق يمكن القول بأن الإدارة الأمريكية الحالية أو وريثتها ستجد صعوبة في تمويل حروبها القادمة.

سادساً: إن اختيار منطقة الشرق الأوسط للبدء بها قد يبدو من الناحية الشكلية فيه الكثير من الموضوعية لسهولة السيطرة عليها كونها تعاني من حالة تفكك وتناحر هائلة أوصلتها إلى درجة من الإعياء عطلت قدرتها على المقاومة، وافتقادها إلى التنظيم والعمل المشترك أبقاها أسيرة فجوة هائلة بعيداً عن عصر التكنولوجيا الرقمية، هذا إضافة إلى هشاشة أوضاعها الداخلية التي لا تملكها الحصانة السياسية والاجتماعية المطلوبة في المواجهة، لكن هذا الافتراض ساذج كونه يجعل من قبول الشعوب العربية مقايضة حقوقها واستقلالها بمجموعة إصلاحات أمراً ممكناً، إن شعوبنا تريد الإصلاحات مدخلاً لتعزيز استقلالها، واستعادة حقوقها، وهذا ما لن تجده في المبادرة الأمريكية، يضاف إلى هذا بأن محاولة أمريكا بسط سيطرتها على المنطقة خطوة على طريق تحقيق هدفها الإستراتيجي في بسط هيمنتها على العالم سيفتح على اشتداد وتيرة الصراع بما قد يفضي إلى نشوء تحالفات دولية جديدة بغية الحد من التفرد الأمريكي.

سابعاً: إن محاولة فرض روح الثقافة الاستهلاكية الأمريكية ستلقى ممانعة كبيرة من قبل المجتمعات العربية كونها تناقض خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، وأكثر من ذلك فإن أي إصلاحات بنيوية حقيقية في الدول الريعية العربية (الخليجية تحديداً) ستعيد النظر ببعض مظاهر الثقافة الاستهلاكية الأمريكية التي تسللت إلى مجتمعاتها في سنوات الطفرة النفطية كشرط لقيام تنمية متوازنة ومستقلة.

ثامناً: تحقيق المشروع كما هو مطروح بشكل قسري يتطلب سيطرة أمريكية مباشرة طويلة الأمد تنتقص من استقلالية بلدان المنطقة بما يعني: المحافظة على القواعد العسكرية القائمة، وإقامة قواعد جديدة، وإبقاء العمل بـ (مفهوم الحروب الإستباقية) ، وما سيخلقه هذا من بؤر توتر جديدة.

ويبقى من الضروري التنويه مجدداً إلى أن كل الملاحظات السابقة التي سيقت على المشروع الأمريكي تندرج في سياق البحث عن المدخل الأنسب للإصلاح لا رفضه، وبما لا ينتقص من الحقوق العربية، فلقد بات الإصلاح يحتل سلم الأولويات في المجتمعات العربية كضرورة راهنة وملحة، وضعها في إطار التجاذب بين الحكومات والإدارة الأمريكية يحرفها عن مسارها، ويقوض أسسها، لذلك فإن اختيار المدخل الصحيح للإصلاح وتوفير شروطه لا يقل أهمية عن موضوع الإصلاح بحد ذاته.

الشرق الأوسط الكبير بين مقاومة"الأمركة"وضرورة التغيير:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت