فهرس الكتاب

الصفحة 7731 من 27364

اختار واضعو نص مبادرة (الشرق الأوسط الكبير الأمريكية) استعراض عدد من الإحصائيات توطئة لمتنها، ورصدت الإحصائيات واقع المنطقة اقتصادياً وسياسياً بهدف إثبات مقولة رئيسية ستبنى عليه لاحقاً البنود الأساسية في مشروع التغييرات المقترحة:"طالما تزايد عدد الأفراد المحرومين من حقوقهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، سنشهد زيادة في التطرف والإرهاب والجريمة الدولية والهجرة غير المشروعة"، والإشكالية هنا لا تكمن في صوابية المقولة السابقة من عدمها بل في تجاهل مسبباتها، ولعل في جلائها إجابة على السؤال الذي ما فتئ الإعلام الأمريكي يردده"لماذا يكرهوننا؟"، وخدمة للنقاش يجب أن ننطلق فيه من نقض مقولة أن التغيير في الشرق الأوسط يمثل مصلحة وطنية أمريكية خالصة، كون الاستقرار والسلم العالميين مصلحة إنسانية مشتركة أساسها عدم التعارض مع مصالح الشعوب الواقع عليها التغيير، من هنا فإن المبادرة الأمريكية حين تعيد التأكيد على بعض الإحصائيات المُتَضَمِنَة تقريري الأمم المتحدة حول واقع التنمية البشرية العربية للعامين 2002 و 2003، وخصوصاً ما يتعلق منها بـ (الحريات، المشاركة السياسية، المعرفة، تمكين النساء) للقول بعد ذلك بأنها تساهم في"خلق الظروف التي تهدد مصالح أعضاء مجموعة الـ 8"تتجاهل بشكل صارخ مصلحة ورغبة المجتمعات العربية في التغيير، وهذا لم تسقطه المبادرة سهواً، بل عمد يعكس ما يتطلبه الهدف الأساسي من وراء طرح المبادرة ألا وهو إعادة قولبة المنطقة بما يمكن من إلحاقها نهائياً بالعجلة الأمريكية، وهذا يفسر لماذا لم تأخذ المبادرة شكل مسودة يدار على أرضيتها الحوار مع الحكومات ذات الشأن بدل طرحها على قمة الدول الصناعية الثماني الكبرى لإقرارها في حزيران / يونيو المقبل، إن هذا التصرف الأمريكي الأحادي لم يستنفر معارضة عربية فقط، بل ومعارضة أوروبية أيضاً، وتجلى ذلك في المبادرات الاعتراضية والتكميلية الأوروبية وأبرزها: المقترح الفرنسي الألماني المسمى بـ (شراكة إستراتيجية لمستقبل مشترك مع الشرق الأوسط) ، والمبادرة النرويجية الكندية، ومبادرة وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر، وخوفاً من محذور البناء الخاطئ على الملاحظة الأخيرة يجب إدراك أن التناقض الأوروبي الأمريكي هو في إطار الجزئيات، التي على أهميتها لا تعدو كونها صالحة فقط للتوظيف في التلطيف من الغلو الأمريكي، وشرط عدم تحولها أي المبادرة الأوروبية - إلى مدخل لبلورة رؤية أمريكية أوروبية جديدة تعيد تحديد وتأسيس العلاقة الأمريكية الأوروبية - ما بعد احتلال العراق - عملاً بمبدأ تقاسم المصالح هو صمود الممانعة العربية أولاً وأخيراً، ولهذا شروط:

إن الشرط الأول لنجاح الممانعة العربية في وجه المشروع الأمريكي لا يكون بتجاهل الحقائق التي استندت لها المبادرة الأمريكية وإن أساءت توظيفها، - المقصود خلاصة تقريري الأمم المتحدة للتنمية في البلدان العربية - بل بالتسليم بها وجعلها أساساً للزوم التغيير القادم لا محالة.

الشرط الثاني هو تحديد غاية الإصلاح، فليس صحيحاً أن غاية الإصلاح هو تقديم أنفسنا للآخر بشكل يقبله على أهمية ذلك، فقبول الآخر لنا أو قبولنا له يتطلب تملك مجتمعاتنا لثقافة جديدة أساسها التعددية في العلاقة مع الذات أولاً ومن ثم مع الآخر، بما يضمن حق التعددية السياسية والفكرية والثقافية على قاعدة التكامل، وبما يضمن تحقيق السلم الأهلي والحرية والديمقراطية، وشرط هذا قيام دولة المؤسسات، والأخذ بمبدأ التداول السلمي للسلطة.

الشرط الثالث تجنب الوقوع في محذور الاستسلام لوطأة الواقع العربي الراهن ومخيباته بدعوى الواقعية، لأن هذا يجعل من النظرة التحليلية لأزماتنا من هذا المنطلق أزمة بحد ذاتها، كونها تضع نفسها في إطار سكوني يفتقد لرؤية التغيير وروحه، وغالباً ما تصل إلى نتائج خاطئة أو منقوصة الجامع بينها قولها بعبثية المراهنة على الحراك المجتمعي الداخلي، وهذا سيقود بالنتيجة إلى القول باستحالة التغيير الذاتي، والتسليم بأحقية فرض الإصلاحات من الخارج.

الشرط الرابع مع إدراكنا بأن الكثير من الحكومات العربية بحكم مصالح بعض فئاتها تفتقد الحماسة للتغيير، وبعضها الآخر يفتقد الوعي والمقدرة على التغيير إلا أنها تدرك حاجتها الماسة للتغيير كممر إجباري للخروج من أزماتها المزمنة والمستفحلة، والخطر هنا لجوء بعض الحكومات إلى إدخال الإصلاحات من الباب الدوار، بما سيفقدها لقيمتها عملياً عبر تآكلها، وتحويلها إلى تسويات مرحلية، قابلة للنقض والتراجع عنها على ضوء تغيير ميزان القوى والظروف التي فرضتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت