أما التحدى الثانى الذى يواجه أى نهضة عربية مرجوة فهو التحول نحو الديمقراطية، لقد أصبحت الديمقراطية (بما تحمله من معاني إطلاق الحريات العامة وحرية التعبير والتداول السلمي على السلطة الخ) ضرورة لبناء النهضة فضلا عن كونها شرط استمرار لأى نهضة حقيقية حيث لا يمكن لشعوب مقهورة أن تنهض أو تحافظ على نهضتها أو تحقق الوحدة المنشودة بينها، إذن هناك حاجة لأن يتضمن المشروع المقترح كيفية التغلب على المعوقات الداخلية والخارجية التي تمنع التحول الديمقراطي.
كما أن خصوصية الثقافة العربية الإسلامية تفرض تناول علاقة الديمقراطية بالشورى، كما جاء بها الإسلام والتي تسمح بالمشاركة الشعبية لعموم الناس وتلزم الحاكم وتحترم تعدد الآراء وتسمح بالحق في التنوع والاختلاف وتحترم إرادة الأمة في اختيار حكامها وكيفية عزلهم، هذه الشورى هى حالة راقية وصورة أكثر تقدماً من صور الديمقراطية، فلسنا في حاجة إلى تبني خيار محدد (وستمنستر مثلا أو الفرنسي أو الأمريكي الرئاسي) ، بل يمكن لنا في ظل تحقيق القواعد الكاملة، أن نتبنى خياراً خاصاً ينسجم مع عقيدة وهوية الأمة العربية ويتناسب مع ثقافتنا ويسهل على الشعوب أن تهضمه وأن تتبناه، بل يمكننا هنا أن نضيف لبنة إلى البناء الديمقراطي العالمي من الناحية الفلسفية والمنهجية بل وفي وسائل العمل كذلك.
إن أي مشروع للنهضة ينبغي أن يحقق تثبيت دعائم الشورى والديمقراطية في البيئة العربية بدءاً من التنشئة والتربية لتعزيز قيم المواطنة والمساواة وتكافؤ الفرص، مروراً بتوفير الحريات العامة مثل حرية الرأى والتعبير والتنظيم وكذلك احترام التعددية في الفكر والممارسة والحق في المشاركة السياسية في ظل نظام دستوري يعتمد التمثيل النيابي ويعمل بآلية التداول السلمى للسلطة، في ظل استقلال حقيقي للهيئة القضائية وفصل بين السلطات الثلاث، هذا كله مع الأخذ في الاعتبار أن بناء الشورى والديمقراطية عملية صعبة طويلة الأمد وبغير ذلك فإن الجهود المبذولة قد لا تثمر.
ويظن البعض أن تحقق انطلاقة ديمقراطية قبل إرساء أسس قوية ومتينة ثقافياً وفكرياً وعبر ممارسات مستقرة شرط كاف لتحقيق نهضة عربية، إلا أن ذلك غير صحيح لأن الديمقراطية شرط ضروري ولكنه ليس شرط كفاية، فلابد من العمل على بقية محاور مشروع النهضة، وستكفل آليات الديمقراطية ضبط المسار وتصحيح الأخطاء وحشد الطاقات والكفاءات فضلا عن أن الإرادة الشعبية المحترمة هى التي ستحسم الخيارات الحضارية للأمة وتقف في وجه المخططات المعادية (لذلك تصر أمريكا على دعم الديكتاتوريات، ويظل العدو الصهيونى يتشدق بأنه وحده واحة الديمقراطية وهو يعلم أن تطبيق الديمقراطية سوف يأتى إلى الحكم بأكثر القوى معاداة للمشروع الصهيوني) .
التنمية
مع الشورى والديمقراطية والوحدة لابد من تنمية مستقلة متكاملة لبناء اقتصاد عربي قوي يحقق آمال الأمة في رخاء وازدهار يؤهلها للقيام بدورها الحضاري في العالم كله.
وهذه التنمية تتطلب اكتساب المعارف وبناء نظام تعليمى جديد ودعم البحث العلمى والتعليم المستمر والتطوير الثقافي.
كما أن التنمية تحتاج إلى حفز للادخار والاستثمار لبناء قدرة إنتاجية تنافسية لخلق فرص عمل للشباب والعاطلين عن طريق مزاوجة بين قطاع خاص كفء ومنضبط ومسئول اجتماعياً مع دولة قادرة ومبادرة وانفتاح متوازن على العالم.
وهنا لابد من البحث عن دور النفط العربى ووسائل الطاقة في بناء تنمية مستقلة والاهتمام بالبيئة والآثار الخطيرة التى تترتب على التنمية غير المنضبطة بيئياً ويستحسن دراسة التجارب التنموية في شرق وجنوب شرق آسيا خاصة الصين وماليزيا.
وحتى يكون للتنمية المستقلة عائد حقيقي على مشروع يحقق نهضة الأمة جميعًا ولا تصب في صالح طبقة واحدة أو شريحة ضيقة من المجتمع فلابد من العمل على إنجاز واقعي يحقق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.
وفى هذا المجال المهم ، الذى كان لليسار الصوت العالي المدوي في تبينه، لابد أن يتصالح التيار القومي مع أركان ومعالم الإسلام ومنجزات حضارته العظيمة على مدار القرون السالفة، حيث يمكن الاعتراف بأنه كان هناك فقر في بلادنا إلا أنه لم يكن هناك تمييز طبقي أو أن المحاولات انعدمت من أجل إيجاد علاج لمشكلة الفقر.
وهنا تبرز أهمية إعادة الاعتبار لركن مهم وخطير وأساسي من أركان الإسلام ألا وهو الزكاة، لا كفريضة فردية فقط، بل كمؤسسة تكافل اجتماعي تقوم الدولة برعايتها.
وهناك مؤسسة الوقف التى لم تكن فقط لرعاية المحتاجين بل أمدت المجتمعات الإسلامية بأسباب النهضة ودعمت مشاريعها في التعليم والعلاج والرعاية الاجتماعية وغيرها.
ليس المطلوب مساعدة الفقراء فقط بل العمل على القضاء على الأسباب التي تؤدي إلى إعادة إنتاج الفقر عن طريق بناء القدرات البشرية وتوفير مناخ يؤدي إلى خلق فرص عمل جديدة للفقراء.