فهرس الكتاب

الصفحة 6503 من 27364

أيها المؤمنون، لئلا يغتر أحد بمقالتهم هذه أُفسح المجال لشيخ المفسرين وإمامهم أبي جعفر الطبري ليجلي لنا تفسيرها ويوضح معانيها، يقول الإمام الطبري مفسرًا قوله تعالى: إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً:"إلا أن تكونوا في سلطانهم، فتخافوهم على أنفسكم، فتظهروا لهم الولاية بألسنتكم، وتضمروا لهم العداوة، ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر، ولا تعينوهم على مسلم بفعل" (2) [2] . أين هذا من السعي لتأصيل مبدأ الأخوة بين المؤمن والكافر؟! أين هذا من السخرية بمن يدعو لإقامة عقيدة الولاء والبراء؟! أين هذا من التلاعب بقول الله تعالى: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8] ؟!

ولو كان كل خوف من المشركين عذرًا لموالاتهم وإظهار التقية لأبطلنا كثيرًا من النصوص؛ لأن عداءهم وكيدهم وحربهم للإسلام وأهله مستمر لا ينقطع، وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ [البقرة:217] .

إن موالاة أعداء الله بأعذار واهية وليّ أعناق النصوص سمة من أبرز سمات المنافقين، فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ [المائدة:52] .

ومن النصوص التي تزجر عن موالاة الكافرين والمشركين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا [النساء:144] ، والسلطان الحجة، فإذا فعلتم ذلك استوجبتم غضب الله.

ومنها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:23، 24] . فإذا كان هذا فيمن والى أباه أو أخاه ومقتضى ذلك مركوز في النفوس فكيف بغيرهم؟!

ومن التحذيرات القرآنية كذلك: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا [النساء:138، 139] .

وفي القرآن عدد من الآيات التي تدل على أن موالاة المشركين من علامات المنافقين ومنها: لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ الْمَصِيرُ [آل عمران:28] ، فأي وعيد فوق هذا الوعيد؟!

ولعلَّي أتحدث عن الفرق بين الموالاة والتولّي في الجمعة القادمة إن شاء الله.

أيها المؤمنون، إن الناس في باب الولاء والبراء منقسمون إلى ثلاثة أقسام:

الأول: الكُمَّل من المؤمنين، كالأنبياء والصديقين والشهداء والأولياء الصالحين، فهؤلاء يواليهم المؤمن ولاء مطلقًا، ويتقرب إلى الله تعالى بحبِّهم.

الثاني: أهل الكفر والإشراك، ومنهم أهل النفاق والكتاب وهؤلاء يُبغضون بإطلاق، ولا يُكِنُّ لهم المسلم إلا العداوة والبغضاء، فالمؤمن ذليل للمؤمن محبّ له، عزيز على الكافر مبغض له، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] ، وقال: مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ [الفتح:29] .

الثالث: أهل المعاصي من المؤمنين، وهؤلاء نحبهم لإيمانهم، ونبغضهم بقدر معصيتهم، فالزاني مبغوض، والمشرك مبغوض، وفرق بين البغضَين، وشارب الخمر يُبغض، وبذيء اللسان يُبغض، وفرق بين البغضين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت