واستمر النموذج الاسلامي في القرن السابع عشر في المنهج العقلي عند ديكارت (أنا أفكر فأنا إذن موجود) . فالعقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس. ولا فرق بين شك ديكارت المنهجي وشك الغزالي النفسي (من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمي والضلال) . والنظر أول الواجبات عند المعتزلة، ومناط التكليف عند الفقهاء، وأساس النقل عند الحكماء بل والفقهاء كما قال ابن تيمية (درأ تعارض العقل والنقل) ، (موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول) ، وما لا دليل عليه يجب نفيه (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) . واستمر العقل عند اسبينوزا مطبقاً إياه في الموضوعات التي استثناها ديكارت من المنهج مطبق فيها (الأخلاق المؤقتة) . وانتهي إلي إثبات التحريف في الكتاب المقدس، وأن النبوة ليست حكراً علي اليهود وحدهم، وانتهاء عصر المعجزات، ونقض العهد الأحادي المطلق المجاني بين الله وبني إسرائيل لصالح عهد تعاقدي روحي مشروط بتقوي الله وطاعته كما هو الحال في الإسلام. ورفض الحكم الثيووقراطي لصالح (مواطن حر في دولة حر) وهو الشوري قبل أن تظهر الديمقراطية في الغرب كنظام سياسي، فالإمامة عقد وبيعة واختيار.
واستمر النموذج الاسلامي في المنطق الجديد عند بيكون (الآلة الجديدة) مؤسساً منهج التجريب الحديث الذي أسسه المسلمون عند جابر بن حيان، والكندي والرازي وابن سينا وابن رشد في الطب والصيدلة. وهو منهج الأصوليين في التعليل قبل وضع جون استيوارت مل مبادئ الاستقراء. وهو ما سماه الشاطبي (الاستقراء المعنوي) لأن الأجزاء لا تكوّن الكل، والنوازل لا تنشئ القاعدة. وقد بدأت أزمة الاستقراء في الغرب بفصل الاستنباط عن الاستقراء، وإبعاد العقل عن الحس وكما لاحظ لاشيلييه في (أسس الاستقراء) وكما نقد كلود برنار في (المدخل إلي الطب التجريبي) وهوسرل في الجزء الأول من (بحوث منطقية) في نقد المنطق التجريبي.
ولم تبتعد مُثل التنوير في القرن الثامن عشر عن الأصول الخمسة عند المعتزلة ولا عن نموذج الحكمة عند الفلاسفة أو المصالح العامة عند الأصوليين. فالعقل والحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والطبيعة والتقدم هي نفسها المثل التي قامت عليها الحضارة الإسلامية. اكتشفها الوعي الأوروبي في صراعه ضد المعجزات والإقطاع والقهر والظلم الاجتماعي والعودة إلي الماضي علي الرغم من نقد فلاسفة التنوير القضاء والقدر والاستبداد الشرقي والنظم الثيوقراطية وهو ما ينقده الإسلام أيضاً. بل إن الجدل الهيجلي لا يبعد عن جدل الوحي، من اليهودية، الشريعة، إلي المسيحية، المحبة، إلي الجمع بين الاثنين في الإسلام، (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به. ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) . والدولة عند هيجل، الروح في التاريخ، والمطلق في المجتمع أشبه بالحاكمية عند الحركات الأصولية. وإعطاء الأولوية للفنون السمعية علي البصرية أقرب إلي النظرية الإسلامية. والوحدة المطلقة عند شلنخ أقرب إلي قراءة جديدة لابن عربي. ولم تبدأ الأزمة في الغرب إلا في القرن العشرين عندما بدأ يخبو النموذج الاسلامي ويخف الباعث الأول للعصور الحديثة ومقاربتها علي النهاية.
فإذا كان الوحي قد أعطي الحقائق حدساً فإن العقل وجد البراهين علي صدقه في الحضارة الإسلامية. ووجدت الطبيعة والتجربة والواقع البراهين علي صدقه في الحضارة الغربية، نظراً لوحدة الوحي والعقل والطبيعة. فالحضارة الغربية تقوم في دوافعها علي بواعث إسلامية، تطابق العقل والطبيعة، نظراً لأن تدوين الوحي لم يصمد أمام النقد التاريخي، وأقوال الكنيسة لم تصمد أمام النقد الفلسفي.