ومن ثم فإن تيار (أسلمة العلوم) الذي يقوم علي استيراد العلم من الغرب ثم قراءته قراءة إسلامية عن طريق وضع نظارة النص عليه لا يعرف أن هذا العلم في بواعثه، معرفة قوانين الطبيعة، وقوانين المجتمع وقوانين التاريخ علم إسلامي في بداياته وليس في نهاياته، في مقدماته وليس في نتائجه. فالبحث عن الحقيقة أقرب إلي الحقيقة من أخذها جاهزة ثم الحكم عليها بمقاييس خارجية. ما يحدث حالياً هو نقل العلم الغربي بلا تمحيص ثم انتقاء نص قرآني أو حديث نبوي وإلصاقه عليه. فإذا كانت النتيجة إيجاباً كان القرآن أسبق من العلم الغربي في اكتشاف الحقائق العلمية وإن كان سلباً كان القرآن علي حق والعلم الغربي علي باطل لأن الوحي لا يخطئ، في حين أن علم البشر يخطئ. والرهان كله علي المؤوِل والمنتِقي الذي يستطيع أن ينتقي ويؤول العلم الغربي والنص الديني فيحدث الاتفاق أو الاختلاف بينهما. فإذا كان النص الديني يحتوي علي العلم الغربي فلماذا لم يعلن عن ذلك من قبل؟ وإن كان العلم الغربي خاطئاً فلماذا لم يعط النص الديني العلم الصحيح من قبل؟ وبهذه الطريقة يكون للعلم الغربي الريادة والاكتشاف، ويكون النص الديني مجرد تابع له. وماذا يحدث إذا ما تغير العلم الغربي وأتي بالنظرية المضادة بعد أن كان النص الديني قد اتفق معه، فهل يتغير فهم النص وتأويله حتي يتفق مع النظرية المضادة الجديدة؟ وبهذه الطريقة يضيع ثبات النص ويصبح متحولاً بالتحول العلمي. وتصبح كل الحقائق متغيرة ولا ثبات لأي منها وهو ما يضاد العقائد الثابتة للدين. ويصل الأمر إلي منتهاه عندما يُعلن أن الله سخر الغرب لنا، نأخذ علمه ولدينا الدين فنفوز بالحسنيين، الدنيا والآخرة، في حين أن الغرب يفوز بالدنيا من دون الآخرة. فنسجل نقطة زائدة عليه. ولما كانت الدنيا بمفردها خاسرة يخسر الغرب. ولما كانت الآخرة من دون الدنيا خاسرة نكسب نحن باسم الكسل والتبعية.
وربما يعود الغرب الآن إلي اكتشاف مصادر أخري للمعرفة غير نفسه، في الشرق القديم وفي الثقافات النقيضة، راداكرشنان، بوذا، أو الإسلام الصوفي أو في الإيقاع الافريقي لعله يستطيع أن يجد باعثاً جديداً علي الإبداع. فالحضارة الغربية ليست إبداعاً علي غير منوال ومن دون أصول سابقة. فحضارات ما بين النهر، وكنعان، ومصر القديمة، والهند كلها كانت مصادر (للمعجزة) اليونانية. وفي التاريخ لا شيء يحدث من لا شيء.