الصليبيون بعدما استقروا في بيت المقدس شكلوا حلفاً مع الإمارات الإسلامية، واستخدموا جيوشها لقتال المسلمين أنفسهم، وشكلوا في تلك الحقبة قوة عسكرية استطاعت أن تخضع المنطقة لصالح المشروع الصليبي، وكان من أبرز نتائج تلك المرحلة أن الجهاد ضد الصليبيين حظرته الإمارات الإسلامية المجاورة للمملكة اللاتينية، وبقي لفترة طويلة يعتمد على عمل جماعات فردية هنا وهناك، ريثما استنهض الفعل القليل جهود الأمة فيما بعد، ولكن تبقى هناك مسألة مهمة فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وجه المسلمين الأوائل في فتوحاتهم باتجاه فلسطين، ومع أن الجيش الإسلامي الأول هزم الروم في أولى معاركه في فلسطين، ومع وجود القيمة الكبيرة للقدس في نظر الإسلام؛ إلا أن قيمتها السياسية والاستراتيجية لم تكتشفها الأمة إلا عندما باتت في يد الصليبيين، في تلك اللحظة أدرك العرب والمسلمون أن مفتاح قوتهم رهن طهارة هذه المدينة من الغزاة.
الصهيونية وتكرار التجربة:
صحيح أن التاريخ لا يكرر نفسه بشكل متماثل، لكن التشابه في الوقائع والأحداث يفضي إلى نتائج متشابهة، وهو ما وقعت فيه الأمة الإسلامية أثناء الحرب العالمية الأولى، وقبيل بدء المشروع الصهيوني في بلادنا بشكل معلن، فالدولة العثمانية كانت تشكل دولة الخلافة، وقوة الأمة مجتمعة في تلك المرحلة، وكانت الناس قد ارتضت ذلك الشكل، وسكتت على أخطاء كثير من الولاة رغبة في الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية، إذ لا يبرر خطأ بعض الولاة أو استبدادهم - لظرف ما - فكرة الخروج عليهم، واستباحة دمهم وقتالهم، فقد كان من غير الممكن أن يتمكن الإنجليز من السيطرة على الأمة الإسلامية رغم ترامي إمبراطوريتهم الكبيرة، لأن الأمة الإسلامية كانت تحتمي وراء عقيدتها، والتي كان المطلوب إزاحتها، والاحتكام إلى أسس جديدة في الصراع؛ تسهل عليهم ضرب الأمة وتفتيتها والهيمنة عليها، ناهيك عن أن الأمة كانت تقاتلهم مجتمعة، فأراد الإنجليز إحداث شرخ في الأمة يعملون بموجبه على استخدام جزء من الأمة لمشروعهم ذلك، فلجؤوا إلى مكة المكرمة، واستقدموا أسماء كانت توحي بمظهرها وألقابها بأنها تمثل الإسلام، وبدأت إثارة الفتن والنعرات، وإعادة تمثيل لفكرة الدولة القومية التي داعبت عقول الكثيرين وذلك منذ حملة نابليون على مصر وعكا، فبدأ النظر إلى الأتراك بوصفهم أتراكاً، والى العرب بوصفهم عرباً، مما ساهم في تغذية تلك النزعة التي أطاحت عملياً من خلال الأمراء العابثين بدولة الخلافة.
ما كانت تريده بريطانيا هو تحطيم دولة الخلافة وليس نهضة العرب، وعندما اكتملت صورة إخراج العثمانيين من بلاد العرب لم تأت دولة العرب الإسلامية من خلال الأمراء الجدد، بل تماماً ذات الصورة القديمة التي كانت في العصر الإسلامي الوسيط، ومنذ تلك اللحظة والمشروع الإسلامي والعرب في موقع المركز منه يشهد تراجعاً خطيراً لا نزال نعيش تبعاته إلى الآن، بالتأكيد لقد خسرنا فلسطين بسبب هذه المحنة، لكن هذه الغزوة الصليبية كانت ماكرة بما فيه الكفاية، فلم نشاهد قدوم الغزاة عبر البسفور بالجحافل الكبيرة، لكن ما شاهدناه استغلالهم لأدوات عربية أدت فيما بعد إلى ضياع القدس، وفلسطين، وخضوع العالم العربي كله تحت الاستعمار من جديد.
إن المفارقة المؤلمة تتجلى في ما قاله الجنرال «اللنبي» لحظة دخوله القدس حينما قال قولته الشهيرة: «الآن انتهت الحروب الصليبية» فهذه المقولة تثبت حقيقة كامنة في نفوس الغرب من الرغبة لاستئناف الحروب الصليبية من جديد، لكن المؤلم أيضاً هو انصياع الأمراء العرب لتنفيذ رغبات المحتل، وعدم التعامل معه بصورته الحقيقية، فعندما يكون احتكامنا للإسلام وشرائعه سيظهر هؤلاء غزاة أرادوا النيل من الدولة الإسلامية، وعندما تكون السياسة وآراء الحكام الشخصية هي التي تصنع ثقافة الأمة لن ندرك ما نعانيه حتى نقع في صميم المأساة.
عندما دخل الصليبيون إلى القدس فإن كل الذين ساهموا في تسهيل وصولهم نالهم جزء من هذا السيف بشكل أو بآخر، وعندما توحدت الأمة في مشروعها بهدف إزالتهم كانت نهضة الأمة من جديد، وكانت قوتها وعزتها وكرامتها.
إن اختيار الإسراء إلى فلسطين والمعراج منها مسألة فيها الكثير من الدلالات، فقد أصبحت منذ تلك الفترة المكان الذي تتجه إليه الأمة الإسلامية بأفئدتها، فإذا ما أصيب هذا المكان بالضرر فإن الأمة بأكملها تتضرر، وما أن تلتف قلوب المسلمين حول القدس، وتتوجه إليها؛ إلا وكانت النتائج هي قوة هذه الأمة، وكرامتها من جديد.
فحول القدس كانت تتصارع الحضارات بغاية كسب عنصر القوة والمنعة، وحول القدس ينبغي أن تتوجه جهود الأمة، وتعمل على رفع وتيرة الفعل الجهادي القليل الذي فيها، بانتظار تحولات قادمة تزيل المشروع الصهيوني أساس بؤس الأمة، ومظهر نكبتها.
من كتاب ذيل تاريخ دمشق
ملاحظة: النص نشر في مجلة المجاهد الفلسطينية عدد 398
http://www.islamselect.com:المصدر