فهرس الكتاب

الصفحة 6407 من 27364

إن التطرف في أي اتجاه ليس من خلق أصحاب الرسالات ولذلك كان الإسلام ضد التشدد وضد التميع، الأمر الذي يدفع قوى التغيير الجادة لخط طريق مستقل بين هذين الحدين المتناقضين، حد الغلو وحد الميوعة.

ففي الجزائر مثلا، ربما لم تنتبه الحركة الإسلامية عندما جرفتها الأحداث التي أعقبت 5 أكتوبر 1988 إلى خطورة هذا الطابور الخطير الذي ينمو في هوامش الفعل الدعوي الوسطي. فهناك المتسلقون الذي جعلوا الدعوة مطية لمكاسب ومناصب ثم تنكروا لها وأصبحوا يخافون من الانتساب لها. وهناك من يزايد على الدعاة الشرفاء والعلماء الأجلاء ، ويتهمهم بالتقصير في حق الإسلام والدعوة ، ويصبح يتعامل معهم و كأنهم قوى شيطانية.

ولذلك فإن السير في الخط الوسطي الإسلامي المتوازن ليس بالأمر الهين كما يتصور البعض. فالدعوة بين مرونة تكسبها التوازن أو مرونة تفقدها هويتها وتذيبها في بحر المتاجرين بمكاسب العمل الإسلامي ، من أجل مصالح شخصية وفئوية.

هذا بالنسبة للتطرف المحسوب على الحركة الإسلامية بالجزائر، و أما بالنسبة لباقي بؤر التطرف المحسوبة على التيار التغريبي الاستئصالي ، والتيار المدافع عن حقوق الإخوة الأمازيغ ( البربر ) و ثقافتهم، فربما الحركة الوطنية هي الأخرى تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية بحكم استحواذها منذ فجر الاستقلال على السلطة السياسية في البلاد ، و لو بصفة الواجهة للسلطة الفعلية الغامضة والغير الدستورية ، التي لا تزال تهيمن على مفاصل الحكم في البلاد. فكبت الحريات و القبول بنظام الحزب الواحد وعدم توضيح حقيقة مكانة الجيش و أجهزة الاستخبارات ، و تدخلها غير الدستوري في صنع القرار ورسم سياسات البلاد ، و الإفراط في الدعوة إلى القومية العربية على حساب الإسلام المكون الأساسي للشخصية الجزائرية و العنصر الموحد للبلاد، ، أدى إلى دفع الكثير من أبناء شعبنا إلى التطرف في ميولهم لثقافة المستعمر الفرنسي ، والبعض الآخر إلى نزعات الانفصال الخطيرة التي أصبحت تهدد بالفعل المصالح الإستراتيجية لبلدنا بل و لكامل منطقتنا في شمال إفريقيا.

آن الأوان للاعتراف بحق أبناء الصحوة الإسلامية في المشاركة في عملية الإصلاح الحضاري، بما فيه حق السياسيين المنتمين للحركة الإسلامية دون تمييز للمشاركة في الساحة السياسية،

إن الإصلاح الحضاري الشامل لا يكون إلا بالخروج من دائرة المشكلات الوهمية التي تعرقل مسيرة المجتمع ، والنظر بعيدا للمشكلات الحقيقية التي تتعلق بموقع الجزائر في المنظومة الدولية ومكانتها بين الأمم.

هل نحن مؤهلون كي نساهم في الحضارة الإنسانية المعاصرة ؟ وهل يمكننا أن نشارك في النشاط الاقتصادي العالمي مثل شعوب كوريا واليابان .. واليوم أيضا الهند.. وفي الغد القريب ستبرز فيتنام؟

ذلك هو الرهان الحقيقي! وتلك هي تحديات المستقبل!

فهل من متبصر؟!

* رئيس البعثة البرلمانية للجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية في واشنطن

(1) كلمة فرنسية معناها"الأهالي"كانت تطلق على سكان الجزائر الأصليين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت