فهرس الكتاب

الصفحة 5088 من 27364

فقبل أيام قليلة من هذا المشوار الحقوقي والديمقراطي الخلاب، وقبل لحظات الوعي الذي اصطحبته، أطل علينا الرئيس الفرنسي وهو في بلد غير بلده، وأمام جمهور غير جمهوره، ليعلن للجميع بأن حقوق الإنسان وأي إنسان، تتمثل في الأكل والشرب والسكن! ورغم التراجع الذي تلاه، ورغم الأصوات المنددة والمندهشة لدي الرأي العام الداخلي والخارجي، فإن زلة اللسان أو لذة اللسان هذه، تنبئ ولا شك عن التعامل بميزانين في مثل هذه القضايا الحساسة، وأن لغة المبادئ قد تندثر أمام المصلحة والمكسب، وأن للداخل خطابه وللخارج لهجته ومظاهره. لحظة اللاوعي هذه تجاه المجتمعات الأخرى تسحب البساط من جدية المواقف الداخلية وتجعلها غير مبدئية في حقيقتها، وأنها ترتبط أكثر بالأنا الثقافي أو الوجداني أو الديني، وتقوقع الموقف وتجعله وليد مصلحة القوم أو الفرقة أو القبيلة الجديدة، وترمي به في أحضان التبجيل والمحاباة لعنصر دون آخر. وهو ما يرج عديد القناعات في موضوعية هذه المواقف ونزاهتها، رغم الصيغة الديمقراطية لإصدارها.

المفارقة الثانية:الوعي المنقوص

لم تكن الصيغة التي عملت بها الجمهورية في صياغة هذا المسار سليمة إلى حد ما في محطة عمل لجنة الحكماء . فعديد التساؤلات تطرح في مستوي تمثيلية هذه اللجنة في تكونها أولا من أفراد قد يقترب بعضهم من ملامسة محتشمة للمعرفة الإسلامية الأكاديمية لمسألة الحجاب، غير أن الكثير منهم وخاصة أصحاب الجذور العربية أو الإسلامية لا تجتمع لديهم الثقافة الوافرة لبلورة رؤية قبلية ومسبقة، تجعلهم يحملون هذه المرآة العاكسة التي تلطف عديد المواقف، وتغلّب لغة العقل على لغة العاطفة، وتجعل من محك التفكير العقلاني والرصين آلية للتأثير وتجنب التأثر العاطفي، الذي غلب على أفراد اللجنة. هذه المصداقية المهزوزة بعض الشيء تظهر أيضا في المرجعيات الأيديولوجية التي كان عليها أصحاب الجذور الإسلامية، فلن تجد من بينها امرأة تلبس الحجاب، أو تتبني الدفاع عنه، فالجميع يحمل منذ البداية منطلقا رافضا وحتى عدائيا تجاه الرمز الديني عموما والحجاب خاصة.

كما تطرح التساؤلات لاحقا في مستوي الجمهور المستمع إليه. فمن بين مائة فرد تداولوا على المنصة، وقع الاستماع إلى امرأتين متحجبتين فقط، وكأن الأمر لا يعني هذه الطائفة، فكيف يمكن بلورة فكرة واضحة وتكوين رأي سليم إذا كان المعنيون مباشرة لا يمثلون أكثر من 2% من الجمهور المعني، وهذا حسب ظني إحدى المنزلقات التي وقعت فيها اللجنة عن وعي أو غير وعي. كان الأسلم أن يستمع أعضاؤها إلى العديد من الفتيات اللاتي يلبسن الحجاب ويتبينوا الأسباب الكامنة وراءه، عوض أن يكثر الجدل البيزنطي حوله ويغلب طابع الهمز واللمز والتشويه والرأي المسبق والحكم النهائي، في ظل غياب المتهم. كان الأجدى أن تعرف اللجنة وأن يعرف المجتمع من ورائها لماذا قررت فتيات فرنسيات المنشأ والمسقط وفي واقع متمدن ومتحضر وفي ظل علمانية مهيمنة على كل أوصال المجتمع، وأمام هيمنة الموضة واستفحال النموذج الأمريكي الزاحف على الأكل والشرب والملبس، وفي وسط إطار داخلي وخارجي ينظر بعين الريبة والشك والعداء لكل مظهر إسلامي، لماذا لم تستمع اللجنة إليهن حتى نعرف الأسباب فتكون الرؤية واضحة وأكثر صلابة، فلعل منهن من أرغمت على لباسه تحت وطأة أب أو أخ أو جماعة، وللقانون حقه وواجبه أن يتدخل لحماية حريتهن. ولعل منهن من لبسته كموضة تنتهي بانتهاء أجلها وتنحي رموزها، ولعل منهن من لبسته حشمة وحياء وهو موقف يبتعد عن السياسة والأيديولوجيا والإثنية ويلامس الأخلاق والسلوك المرهف، ولعل منهن من ارتدته حتى تتجنب المضايقات والهمز في أحياء مهمشة يغلب عليها التقوقع والانعزال ولغة القوة والعصابة، فيكون الحجاب تعبيرا عن أزمة مجتمع وتهميش مجموعات وطوائف وجهات وبقاع، وليس هو الأزمة، بل لعله يساهم في طرق الأبواب الحقيقية ووضع الإصبع على الموقع الجريح. ولعل منهن من اختارته عن وعي ولبسته عن علم، فكان خيارا لا اضطرارا وكان عقلا وليس نقلا، وهو بالتالي تعبير عن حرية مفقودة، ورمز للتحرر من براثن تقاليد بالية وتصورات واهية حملها الآباء والأمهات من بلدان الأصل وحسبوها دينا والدين منها براء.

المفارقة الثالثة:حجاب وقلادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت