فهرس الكتاب

الصفحة 4134 من 27364

ويجدر التنبيه هنا إلى أن المساعي الروسية الرامية إلى تأكيد الهيمنة على دول الجوار، اتسمت بالحزم والصلابة، وذلك لأن جميع التيارات السياسية تتفق على اعتبار"الجوار القريب"دائرة نفوذ روسية. وفي هذا الصدد، نشرت صحيفة"إزفستيا"الروسية وثيقة صادرة عن هيئة الشؤون الدولية لمجلس السوفييت الأعلى جاء فيها"بصفته وصياً معترفاً به دولياًً على الاتحاد السوفييتي السابق، ينبغي على الاتحاد الروسي أن يستند إلى مبدأ يقوم على أساس إعلان المجال الجيوسياسي للاتحاد السوفييتي بأسره دائرة نفوذ حيوية، وينبغي على روسيا أن تحصل من المجتمع الدولي على الاعتراف بدورها الضامن للاستقرار السياسي والعسكري في أراضي الاتحاد السوفييتي السابق. ومن المناسب الحصول من بلدان"مجموعة السبع"على المساعدة للقيام بهذه المهمة، وحتى لتمويل قوات التدخل الروسية" (1)

2 ـ تجليات ووسائل"التوسع الروسي":

اعتماداًً على وسائل شرعية في مقدمتها الدستور المعدل على إثر قنبلة البرلمان المتمرد في أكتوبر 1993م، ووسائل قهرية مؤسساتية في مقدمتها الجيش الآخذ نفوذه في التصاعد، ووسائل ثقافية في مقدمتها المزاج النفسي ـ الثقافي الروسي الذي يرفض أنصاف الحلول في حل المشكلات، ووسائل اجتماعية ـ اقتصادية ضد الجمهوريات العنيدة، تطبق روسيا منذ 1993م استراتيجية توسعية عنيفة وشاملة قوامها التدخلات العسكرية والسياسية والاقتصادية في دول"الجوار القريب"داخل فدرالية روسيا (الشيشان، داغستان..) وخارجها (جورجيا، أرمينيا، طاجيكستان..) .

كما استخدمت روسيا ذريعة"الأقليات الروسية"في الجمهوريات المستقلة، كسيف مصلت على رقاب حكامها. وكان العنوان الكبير لهذه التدخلات هو صد أي خطر أو تهديد على الأمن الاستراتيجي الروسي وهذا الأمن الاستراتيجي يتكون من مفردتين (المصالح الروسية والاستقرار الإقليمي) . (2)

لقد اتبعت الخطة الروسية محورين المحور الأول يتمثل في الكبح التدريجي لمحاولات التحرر الاقتصادي للجمهوريات من القبضة الروسية، والثاني يتمثل في وضع اليد على أي محاولة من محاولات البناء الذاتي للقوة العسكرية المستقلة، المحور الأول يقوم على بث قناعة مفادها أنه لا مناص من الاندماج الاقتصادي بالشروط الروسية في منظومة كومنولث الدول المستقلة في سبيل أي تطلع نحو العافية الاقتصادية؛ والمحور الثاني يقوم على قناعة مفادها؛ ضرورة الخضوع للقيادة الروسية والاكتفاء بقوات عسكرية وطنية اسماً ورمزاً؛ ولم تسلم من المحور الثاني للخطة سوى أوكرانيا التي استطاعت أن تقف عسكرياً على قدميها بالاستقلال عن روسيا.

الإجراءات المعتمدة يمكن تلخيصها في الآتي: (3)

ـ إقامة ميثاق أمن جماعي أعطى روسيا سلطة الرقابة على الحدود الدولية لكومنولث الدول المستقلة.

ـ اتفاقية حفظ السلام (استخدمت كآلية للتدخل في الأزمة الطاجيكية) .

ـ منطقة روبل جديدة كإطار نقدي إقليمي (الغاية منه تخويل البنك المركزي الروسي دوراً حاسماً في الشؤون النقدية والمالية) .

وقد آتت الخطة الروسية أكلها في كل من روسيا البيضاء التي أصبحت في حالة شبه إلحاق وجورجيا وطاجيكستان اللتين تحولتا عملياً إلى محميتين روسيتين، وذلك تحت غطاء تقديم الوساطة السياسية بين المتنازعين.

3 ـ الموقف الرسمي الروسي:

سنعتمد في قراءة الموقف الروسي من المنطقة، ومن خلاله التصور السياسي الدولي لروسيا، على ثلاثة مصادر أندريه كوزيف وزير خارجية روسيا السابق (4) . يفجيني بريماكوف مدير المخابرات آنذاك 1994م (5) ، وقسطنطين شوفالو (6) سفير روسيا لدى الأمم المتحدة 99 ـ 2000م.

يعتقد الأول أن روسيا بتدخلاتها السابقة الذكر إنما"تنهض بدور (مشروع) كشريك حقيقي في تدبير الشؤون الدولية"وأنها تريد من خلال عرض عضلاتها على جيرانها الأقربين ـ أن تبعث برسالة إلى شركائها الأبعدين بأنها، أي روسيا،"ترفض فكرة أنها أصبحت رجل أوروبا أو آسيا المريض". ويفهم من هذا القول إذا وضعناه في سياقه الدولي آنذاك أنها تضطلع بدورها كشرطي إقليمي، في الوقت الذي بلغت فيه العربدة الأمريكية والغربية أوجها في كل من الصومال وهاييتي.

أما يفجيني بريماكوف، وهو أكاديمي معروف بثقافته الشرقية الواسعة، فيؤكد من خلال التقرير الاستراتيجي الروسي لسنة 1994، الذي أشرف على إعداده أن روسيا إنما تقوم بواجب مشروع من الوجهة الاستراتيجية في وقت تتهددها فيه مهددات أمنية جيواستراتيجية ثلاثة

1 ـ عدم الاستقرار الناتج عن الأزمة الأفغانية وتبعاته على استقرار آسيا الوسطى (استمرار هاجس الأفغنة) .

2 ـ التدخل الإيراني التركي والتخوف من تأسيس دولة فارسية أو تركية كبرى.

3 ـ"الأصولية"الإسلامية.

وينتهي التقرير بالتوصية بضرورة إقامة مجال دفاعي مشترك في المنطقة موضوع البحث تتولى روسيا تزعم رعايته وحمايته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت