فهرس الكتاب

الصفحة 4135 من 27364

أما الرؤية التي يؤسسها السفير شوفالو فتقوم على رفض عولمة الدور العسكري للناتو كآلية للتدخل بعيداً عن شرعية الأمم المتحدة، ومن هنا فإن روسيا لا يمكن أن تقبل عدم الاستقرار في جوارها حتى لا يستخدم كذريعة لتمدد واتساع أنشطة الناتو المرفوضة في البلقان؛ إلى مجال يعتبر في العقيدة الجيواستراتيجة الروسية مجالاً حيوياً غير قابل للاختراق؛ وتزداد المخاوف الروسية عندما يتنادى بعض النخب الحاكمة في جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز طالبة مزيداً من الالتزام الغربي بأمن واستقرار المنطقة.

مخاوف روسيا وأهدافها

تتخوف روسيا أساساً من إمكان وجود خطة يمينية متطرفة في الإدارة الأمريكية قوامها احتواء روسيا عسكرياًً من خلال مد ولاية الناتو العسكرية إلى المنطقة؛ واقتصادياًً من خلال تحجيم النفوذ الاقتصادي الروسي على دول المنطقة وتجاهل المصالح الروسية في موضوع إبرام العقود والصفقات الكبرى المتعلقة بالطاقة، خصوصاً طاقة أذربيجان الضخمة؛ كما تتخوف روسيا من وجود مخطط أممي أصولي إسلامي من شأنه تهديد الأمر الواقع الحدودي، وكذا بث الكراهية"والروسيافوبيا"في المنطقة في أوساط السكان اعتماداً على وقائع الحرب في الشيشان.

وقد تدعمت هذه المخاوف عندما أعلنت الإدارة الأمريكية عن عزمها إرسال قواتها إلى المنطقة تحت غطاء قوات حفظ السلام في شريط ناجورنو قارباخ وتحت إشراف منظمة الأمن والتعاون الأوروبي وبمشاركة قوات روسية. (7)

ولذا تسعى روسيا إلى القيام بكل ما من شأنه جعل دورها لا غنى عنه، بدءاً برعاية الحلول السلمية الإقليمية في جورجيا مع أبخاريا؛ وحل المشكلات الثنائية العالقة مع جورجيا فيما يتعلق بتقسيم أسطول البحر الأوسط التي أثارت مشكلة تجاهلها والاكتفاء بالحصة الأوكرانية في الأسطول وقد تم حل المشكلة في أكتوبر 97 بمنح جورجيا أربع سفن حربية (8) كما نجحت روسيا بمشاركة أمريكية وغربية في الحفاظ على السلام فيما يخص مشكلة ناجورنو كاراباخ.

مع ذلك تظل الشكوك والاتهامات قائمة بين روسيا وكل من أمريكا والغرب فيما يتعلق بالرغبة في الهيمنة على المنطقة على حساب مصالح الطرف الآخر، ولذا ما فتئت روسيا تتحمل مالياً وعسكرياً النصيب الأوفر في التكاليف الناجمة عن عمليات حفظ السلام في المنطقة (طاجيكستان، جورجيا، ناجورنو كاراباخ) إلا أن المجموعة العسكرية المشتركة بين كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان المستقلة عن روسيا وبمشاركة قوات أمريكية التي حطت بالقرب من الحدود الروسية لم تكن لتروق للمسؤولين الروس خصوصاً عندما يصرح قائد القوات الأمريكية المشاركة في التدريبات العسكرية مع المجموعة المذكورة سابقاً"لا يوجد أي بلد فوق أرض البسيطة لا يمكن أن نذهب إليه". (9)

ولذلك تبذل روسيا جهوداً مضنية بالاعتماد على مظلة الكومنولث في سبيل إحراز نجاحات مماثلة لنجاحاتها في حفظ السلام في البؤر المتوترة المذكورة سالفاً، ولكن استمرار وتقدم النجاحات رهين بإرادة الأطراف المتنازعة نفسها كما هو رهين إلى حد ما بتعاون القوى الدولية والإقليمية المنافسة لروسيا.

الرهانات الروسية في المنطقة: تأسيساً على كل ما سبق يمكن إجمالاً تلخيص الرهانات الروسية في العناصر الآتية

1 ـ تأمين الأمن والاستقرار في المنطقة نظراً لحساسية الجوار الجيوبولتيكي.

2 ـ خلق مناخ ملائم للتجارة والأنشطة والمبادلات الاقتصادية.

3 ـ خلق مناخ غير عدائي، بل صديق ومتعاون.

4 ـ الحيلولة دون وقوع أي بلد من بلدان كومنولث الدول المستقلة في حظيرة الهيمنة التابعة لأي قوة دولية أو إقليمية ثالثة.

5 ـ منع أي تحرك أو عمل عدائي موجه ضد روسيا من داخل أي دولة من دول الكومنولث.

6 ـ توفير وضمان القدرة اللازمة والسريعة للتدخل بهدف الحفاظ على سلامة حدود دول الكومنولث.

7 ـ حماية الأقليات الروسية المنتشرة في الدول المعنية.

8 ـ الحيلولة دون تصاعد أنشطة تهريب المخدرات والأسلحة والهجرة غير المضبوطة للأفراد.

9 ـ مقاومة المد الأصولي الإسلامي، ومحاصرته إعلامياً وأيديولوجياً واستراتيجياً بالتعاون مع الدول المعنية ومن خلال تحييد العامل الإيراني.

ثانياً أمريكا:

1 ـ الأصول النظرية:

لفهم أبعاد السياسة الأمريكية في المنطقة من المناسب التذكير بالأصول النظرية للسياسة الخارجية الأمريكية على نحو مختصر. وذلك لربط الجوانب المبدئية الأساسية في التصور الدولي للولايات المتحدة بسلوكها السياسي والاستراتيجي في منطقة كانت إلى عهد قريب جزءاً من التراب الوطني لخصمها التاريخي الاتحاد السوفييتي السابق.

"تقوم السياسة الخارجية الأمريكية على مبادئ أساسية متعارف عليها وأخرى خاصة بطبيعة المجتمع السياسي والاقتصادي الأمريكي؛ وهذه المبادئ هي"

أولاً المحافظة على الاستقلال والأمن.

ثانياً السعي نحو التأمين والمحافظة على المصالح الاقتصادية (خصوصاً مصالح المجموعات الاقتصادية ذات النفوذ داخل الولايات المتحدة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت