عمَّقت الإيقاد من التدخل الدولي في الشأن السوداني، خاصة بعد توسع المنظمة، بما ساعدها على احتكار التدخل في الأزمة السودانية، وقد تطور هذا الدور بصورة أكبر بعد أن ساءت علاقات السودان بكل من إريتريا وأثيوبيا وأوغندا، وكان قبول السودان في الأساس لوساطة الإيقاد يستند إلى التوازن القائم داخلها، حيث كانت أثيوبيا وإريتريا متحالفتين مع السودان، بينما كانت كينيا وأوغندا تدعمان التمرد، وكان من شأن استمرار هذا التوازن، أن يحصر نفوذ وفاعلية المنظمة في الإطار المقبول سودانياً، لكن توتر علاقات السودان مع جيرانها غيَّر المعادلة، حيث توحَّدت المنظمة على خطة تتجه نحو فرض حل أقرب إلى مطالب حركة التمرد منه إلى مطالب الحكومة، وفي والوقت نفسه، حصلت على دعم أمريكي ودولي لزيادة الضغط العسكري والسياسي على الخرطوم، حيث بادرت أثيوبيا في عام 1995م بمطالبة مجالس الأمن بفرض عقوبات على السودان بحجة عدم تسليمه المشتبه فيهم في محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا في يونيو 1995م، وقد دعمت مصر هذا التوجه الأثيوبي في أول الأمر، لكنها تحفَّظت على مطلب فرض حظر على بيع الأسلحة للسودان: لأن ذلك كان يعني عملياً فصل الجنوب، وكان هذا مصدر أول خلاف بين مصر ودول الإيقاد.
وفي نهاية عام 1996م وبداية عام 1997م، تدخلت ثلاث دول من الإيقاد تدعمها تنزانيا بصورة مباشرة في النزاع المسلح في السودان، حيث شاركت قوات من أوغندا وإريتريا وأثيوبيا في حملة عسكرية شنتها المعارضة بغرض تشديد الضغط العسكري على الخرطوم.
وعلى الصعيد الإقليمي، عارضت دول الإيقاد أي جهود للوساطة من طرف إقليمي أو دولي، وفي هذا السياق، أكدت إريتريا في ضرورة عدم توسيع مبادرة الإيقاد، لتشمل المعارضة الشمالية لاعتبارات تتعلق بطرفي النزاع: الحكومة والجنوبيين، ورأت أن تصوير المبادرة المصرية الليبية، كما لو كانت مبادرة عربية في مقابل الإيقاد الأفريقية، سيأتي بنتائج معاكسة في إشارة ضمنية للتحفظ على المبادرة المصرية الليبية، وهو الموقف الأمريكي نفسه، وموقف الحركة الشعبية التي تقود التمرد في السودان.
كما تحفظت دول الإيقاد على اللقاءات السرية التي رتبتها النرويج في عام 1994م، وعارضت مجهودات سويسرا وغيرها، كما رفضت مساعي جنوب إفريقيا لكسر الجمود عام 1997م. من هذا المنطلق، يرى البعض أن وساطة الإيقاد تحولت عملياً إلى وصاية دولية على السودان لا يحق لغير دول الإيقاد التدخل في شؤونه!!.
وكانت الإمارات العربية أول من التفت إلى خطورة هذا الوضع وما يعنيه من تغييب الدور العربي في المساعي الرامية لحل الأزمة السودانية، ولهذا تقدم رئيس دولة الإمارات في عام 1998م بمبادرة لرأب الصدع بين الحكومة والمعارضة الشمالية، ولقيت المبادرة ترحيباً من الحكومة وبعض أطراف المعارضة، ولكنها لم تتقدم بسبب ما بدا أنه تحفظات مصرية ودولية، وتمنُّع من بعض أطراف المعارضة، وتتميَّز المبادرة الإماراتية عن المصرية والليبية بأنها ركَّزت على المعارضة الشمالية، وبالتالي تجنبت الاعتراض عليها لعدم تعارضها مع مبادرة الإيقاد، كما تجنبت المعوقات التي يمكن أن تضعها حركة التمرد.
^^مخاطر على الدور المصري
لماذا ترفض الولايات المتحدة المبادرة المصرية الليبية وتقف بقوة خلف الإيقاد؟ يمكن فهم الموقف الأمريكي في ظل اعتبارات عدة منها: أن الإدارة الأمريكية لا تود نجاح أي أدوار إقليمية في المنطقة يمكن أن تحقق نجاحاً في حل أزمات، فذلك يهدد دورها في المنطقة ويهز صورتها، وفي سبيل ذلك عيَّنت الإدارة الأمريكية هاري جونستون مبعوثاً للسودان على خلفية تعاطف الكونجرس مع فريق الجنوبيين واستعداده لمدهم بالسلاح، ويوجد تيار داخل الكونجرس، يرى أن سيطرة الحكومة على الجنوب سيترتب عليها تبعات جسيمة على الولايات المتحدة، باعتبار أن السودان سيلعب دوراً جوهرياً ومهماً في إفريقيا بعد إكمال سيطرته على الجنوب، وهو ما جعل هذا الفريق يدعو الإدارة الأمريكية لأن تضع الجنوب على صدر لائحة أولويات المصالح القومية الأمريكية في الخارج التي تجب عليها حمايتها والمحافظة عليها.
غير أن واشنطن ليست متمسكة بالمبادرة الأفريقية لأنها مدعاة حقيقية لإحلال السلام، ولكن لأنها القناة الوحيدة التي يمكنها من خلالها وعبر النفوذ الذي تتمتع به في دول منطقة شرق ووسط أفريقيا أن تفصل الجنوب السوداني ليكون عازلاً بين أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وتدفق الإسلام القادم من شمال السودان، وهو هدف تلتقي فيه الاستراتيجية الأمريكية مع وجهات نظر عدد كبير من قادة الدول الأفريقية السمراء التي تتمتع كنائسها بنفوذ كبير على أنظمة الحكم فيها.