هذا الذي يتبنى مفهوم الغزالي عن الكفر ويطبقه على (العلماء المجتهدين) أمثالهم رجل مقلد بلغ درجة من العمى والتعصب في أحكامه؛ لأن الإيمان والكفر في فلسفة أهل التخريب العقدي مرتبطان بالبحوث النفسانية واللغوية عن تكوين البنية الشخصية والجماعية التي ينشأ فيها كل فرد. ولم يكتف أهل التخريب العقدي بذلك بل ألقوا مسائل الحلال والحرام والمقدس والقصص الديني في أحضان العلوم الحديثة (علوم الإنسان والمجتمع) (10) التي تعطي لها تفسيراً خاصاً يخرج بها كلية عن ارتباطاتها العقدية. ومن المسلّم به في العلوم الاجتماعية أن نظرياتها التقليدية ترى أن الأفكار الدينية زيف ووهم، أما نظرياتها الحديثة فتتجنب مسألة حقيقة الدين، لكنها تغذي هذه التحليلات التي تحقر من أي رؤية جدية للأفكار الدينية وتنظر إليها على أنها غير حقيقية (11) .
موقفهم من خاصية ثبات الأصول:
واجهت أهل التخريب العقدي مشكلة النظرة العقلية المستمرة والمتكررة التي ترى وجود إسلام صحيح يتطابق مع مفهوم الدين الحق لمكافحة البدع والرد على أهل الأهواء والنحل، وإبطال الملل الضالة المضلة، وإبعاد أو إخضاع جميع المنحرفين عن الصراط المستقيم والحق المبين، فقالوا: إن الإجماع بأن هناك إسلاماً جوهرياً لا يقبل التغير ولا يخضع (للتاريخانية) (12) ـ هو هو كالأقنوم الإلهي يؤثر في الأذهان والمجتمعات ولا يتأثر بها ـ ليس إلا تحجراً عقلياً وتطرفاً وتعصباً وإرهاباً، ودعوا إلى العدول عن هذه النظرة التقليدية والإقرار بضرورة التعددية العقائدية؛ ويسوِّغون دعواهم الضالة والمضلة بأن النصوص القرآنية قد ألهمت ولا تزال تلهم (تأويلات) بتغير الزمان والمكان (13) .
يؤمن أهل السنة والجماعة بأن التأويل الذي دلت عليه النصوص وجاءت به السنة ويطابقها هو التأويل الصحيح، والتأويل الذي يخالف ما دلت عليه النصوص وما جاءت به هو التأويل الفاسد. وكل تأويل وافق ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو المقبول وما خالفه فهو المردود. لكن أهل التخريب العقدي بعد أن طرحوا بعيداً ربط الكفر بتكذيب الرسو صلى الله عليه وسلم ردوا السنة برمتها إلى دائرة (البحث التاريخي) (14) ، وسعوا إلى إعادة قراءة النصوص الدينية، تلك التي أسموها بالنصوص التاأسيسية أو النص الأول (القرآن) والنصوص الثانية (السنة وغيرها) ، في ضوء العلوم الحديثة.
والتأويل عند أهل التخريب العقدي لا يخرج عما يقوله عنهم (ابن القيم) من أنه (استخراج معاني النصوص وصرفها عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات ومستنكر التأويلات، فأدى بهم هذا الظن الفاسد إلى نبذ الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين وراء ظهورهم، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف والكذب عليهم وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف.(والتأويل) إذا تضمن تكذيب الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحسبه ذلك بطلاناً) وتأويلات أهل التخريب العقدي من هذا الطراز (15) .
القطيعة المعرفية ماذا تعني؟
خرج علينا أهل التخريب العقدي بمصطلح جديد أسموه: (القطيعة المعرفية) ومن المعروف عنهم أنهم لا يأتون بجديد، وإنما يستخرجون أفكارهم بعد أن يدخلوا جحر كل ضب دخله قبلهم المفكرون الغربيون، ثم يلوكون هذه الأفكار ويطبقونها على الإسلام.
ومصطلح (القطيعة المعرفية) طرحه أصلاً المفكر الإيطالي (فيكو) وكتب فيه الأمريكي (توماس كون) وعالم الرياضيات الفرنسي (رينيه توم) . تناول كل هؤلاء مسألة القطيعة في تاريخ العلوم وكيفية تفسيرها: متى تحدث القطيعة في فكر ما؟ ما هي الشروط الموضوعية التي ينبغي توافرها لكي تحصل القطيعة؟ أي: لكي يتوقف الناس فجأة عن التفكير بالطريقة التي كانوا يفكرون بها سابقاً منذ مئات السنين. ولأن الحقد والغل يملأ قلوب أهل التخريب العقدي على الإسلام طبقوا هذا المفهوم على الإسلام؛ فدعوا إلى التوقف عن التفكير في الإسلام بالطريقة التي يؤمن بها الناس حالياً والتفكير فيه بطريقتهم التدميرية.
ويدعونا أهل التخريب العقدي إلى أن ندرك معنى القطيعة المعرفية، أي أن نتخلى عن معارفنا التقليدية عن الإسلام التي يصفونها بأنها معارف (خاطئة أسطورية ذات معانٍ خيالية) وأن نفكر بالطريقة التي فكر بها الأوربيون منذ القرن السادس عشر، فنغير ـ مثلهم ـ نظرة العقل إلى المعرفة وطرق إدراكه للواقع وتعبيره عن تأويلاته لهذا الواقع.
هل نحن بحاجة إلى الفلسفة؟