أما في الآية الخاصة بفرعون فإننا نسمعه يقول للسَّحَرة: (( آمنتم له قبل أن آذَنَ لكم؟ إن هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتموه بالمدينة لتُخْرِجوا منها أهلها ) )، وواضح أنه يشير إلى العلة التي أوجبت في نظره تقطيع أيديهم وأرجلهم، وتصليبهم في جذوع النخل، ألا وهى مَكْرُهم لإخراج أهل المدينة منها، كذلك لو كانت عبارة"من خلاف"تشير إلى سبب التعذيب فلماذا لم تُذْكَر إلا عقب الصنف الأول منه فقط، ولم تؤخَّر إلى ما بعد الفراغ من ذكر كل ألوانه ما دامت هي علة هذه الضروب العقابية جميعاً؟ ثم إننا لم نسمع باستخدام هذا التعبير في المعنى المذكور، ولو كان هناك شاهد من النصوص القديمة عليه فلماذا لم يَسُقه المترجم؟
الواقع أن الذوق العربي لا يرتاح إلى مثل ذلك التوجيه، والواقع أيضاً أن أسد قد اعتسف هذا التفسير أَوّلاً في سورة"المائدة"لِيَخْلُص منه إلى إلغاء عقوبة الحرابة على ما سوف يأتي بيانه في فصلٍ لاحق، ثم اضْطُرَّ أن يقول به في آية فرعون والسَّحَرة حتى لا يناقض نفسه، هذا هو تفسيري للمسألة، والله أعلم.
ومن الألفاظ القرآنية التي تصرَّف فيها مترجمنا تصرفاً واسعاً يطمس مفهومها طمساً لفظُ"الأعراف"، إن هذا اللفظ يشير إلى مفهوم قرآني خاص، فكان ينبغي أن يُبْقِىَ أسد عليه كما هو، ولْيَشْرَحْه بعد ذلك في الهامش على النحو الذي يفهمه فيجمع بذلك بين وفاء الترجمة للأصل وبين شرح هذا الأصل بما يعتقد أنه هو المعنى المراد، لقد ترجم كاتبنا لفظ"الأعراف"بما يعنى أنه"القدرة على معرفة الحق والباطل والتمييز بينهما"، ومن ثم صار قوله تعالى: (( وعلى الأعراف رجالٌ يعرفون كُلاًّ(أى كلا من أهل الجنة وأهل النار) بسيماهم ))في الترجمة الإنجليزية هكذا:"they who (in life) we r e endowed with the faculty of disce r nment (between r ight and w r ong) "، أي أولئك الذين كانوا يتمتعون في الدنيا بالقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ (10) ، وهو ما يعنى أنه لا"أعراف"في الآخرة كما يُفْهَم بكل وضوح من النص القرآني! فكيف كان ذلك يا ترى؟
يوضح أسد هذا في الهامش بقوله: "إن كلمة"الأعراف" (التي أعطت السورةَ اسمها) قد تكررت في القرآن مرتين ليس إلا، وذلك في الآيتين 46، 48 من هذه السورة، وهى جمع "عُرْف"التي تعنى في الأصل"المعرفة"أو"الاستبصار"، كما تُسْتَعْمل للدلالة على أعلى أو أسمى جزء في الشيء (لأنه أسهل جزء يمكن رؤيته) مثل:"عُرْف الديك"و"عُرْف الحصان"...إلخ، وعلى أساس من هذا الاستعمال الشائع حَسِبَ كثيرٌ من المفسرين أن"الأعراف"هنا تشير إلى "الأماكن المرتفعة"مثل أعالي الجدران والأسوار، ومن ثم ربطوا بينه وبين"الحجاب"المذكور في الجملة السابقة (جملة"وبينهما(أي بين أهل الجنة وأهل النار) حجاب")، لكن هناك تفسيراً أصوب من ذلك يعتمد على المعنى الأصلي لكلمة"عُرْف"وجمعها ألا وهو الاستبصار والتمييز أو القدرة عليهما، وقد أخذ بهذا التفسير بعض كبار المفسرين القدماء كالحسن البصري والزجّاج، اللذين يوافق الرازي على ما قالاه موافقة صريحة، واللذين يؤكدان أن عبارة"على الأعراف"ترادف قولنا:"على معرفة"، أي أصحاب علم أو ذوو مقدرة على التمييز (بين الحق والباطل) ، ومن ثم فالرجال الذين على الأعراف هم الذين كانوا في دنياهم قادرين على إبصار الحق من الباطل (متعرِّفين على كل منهما بعلامته المميِّزة له) ، لكنهم في ذات الوقت لم يكونوا قادرين على اتخاذ موقف محدد منهما، أي أنهم باختصار كانوا أشخاصاً غير مبالين، وهذا الموقف الفاتر قد حرمهم عمل الكثير من الخير أو الشر بحيث أدَّى ذلك في النهاية إلى ما تقوله الآية التالية من أنهم لا يستحقون الجنة ولا النار (وهناك عدة أحاديث بهذا المعنى أوردها الطبري وابن كثير في تفسيريهما لهذه الآية) ، هذا ويُقْصَد بكلمة"رجال"في الآيتين المذكورتين"الأشخاص"من الجنسين: جنس الرجل وجنس المرأة على السواء" (11) .
وواضح أن أسد ينطلق من أن المعنى الأصلي لكلمة"عُرْف"هو"المعرفة"وأن دلالتها على أعلى جزء في الشيء هي دلالة فرعية، لكنه بهذه الطريقة يقلب رأساً على عقبٍ ما نعرفه من أن المعنى المادي للكلمات هو الأساس الذي تتفرع منه المعاني المجردة، وإذن فهذا المعنى الأخير الذي ذكره على أنه المعنى الفرعي هو في الحقيقة المعنى الأصلي لا العكس، وثانياً هل يمكن في العربية أن نقول: إن فلاناً"على الأعراف"بإطلاق ونحن نقصد أنه على معرفة واسعة وقدرة كبيرة على التفرقة بين الخطأ والصواب؟ الذي أعرفه هو أننا نقول مثلاً:"فلان على معرفة بكذا"لكنى لم أسمع قط بمن يقول:"فلان على عُرْف"هكذا بإطلاق (أي على معرفة) ، بله أن نقول:"فلان على أعراف"، فضلاً عن"فلان على الأعراف" (بالألف واللام) ! ترى أيصح أن نقول:"فلان على معارف"؟ بالطبع لا، فما بالنا بـ"على المعارف"؟