وقد لاحظت أن أسد - على طول ترجمته كلها - لم يسمّ قط رب العزة باسم"الله"مُؤْثِراً استعمال كلمة"God"، ولا أدرى السر في ذلك، وهو نفسه ما فعله في ترجمته لـ"صحيح البخارى"، إن كلمة"الله"هي اسمُ عَلَم، وأسماء الأعلام لا تتغير في الترجمة، بل تبقى على حالها كما هو معروف، وإذا كان سافارى وبيرك مثلاً في ترجمتيهما للقرآن إلى الفرنسية قد صنعا مثل هذا فمن السهل أن يُفَسَّر ذلك بأنه كراهية منهما لهذا الاسم الكريم الذي يُعْرَف به المولى في دين محمد صلى الله عليه وسلم ، لكن ماذا عن أسد نفسه الذي ترك دينه وأسماء الإله فيه إلى الإسلام وإلهه؟ ترى لماذا تخلى بتلك البساطة عن هذه الخصوصية الإسلامية الجميلة؟
ونراه أيضاً يترجم"الهجرة"في الأغلبية الساحقة من المرات بـ"Exodus"، وهى الكلمة التي ارتبطت بتاريخ اليهود وخروجهم جميعاً دفعة واحدة من مصر (1) ، لقد تحولت اللفظة العربية إلى اسمِ عَلَم تقريباً، بل لقد دخلت اللغات الأوربية كما هي دون تغيير مع كتابة حرفها الأول"H"بالحجم الكبير دلالة على أنها تُعامَل في تلك اللغات على أنها عَلَم من الأعلام، لقد انسلخ كاتبنا عن دينه فلماذا يهجر الكلمة العربية المسلمة إلى تلك اللفظة الأجنبية ذات الإيحاءات اليهودية؟ ولقد انتقدتُ جاك بيرك لنفس السبب في كتابي الذي وقفته على دراسة ترجمته الفرنسية للقرآن الكريم (2) ، وأحسب أن الأستاذ أسد أولى بالعتب من بيرك لأنه مسلم، أما بيرك فلا، ومما ترجم به كاتبنا أيضاً مصطلحَ"الهجرة"كلمةُ"flight: الفرار" (3) ، وهى ترجمة خاطئة، بل لا إخال أنني أتجنى عليه إذا قلت إنها مسيئة في حق الرسول - عليه الصلاة والسلام -.
إن من المقبول أن يصف مثلاً خروج موسى - عليه السلام - من مصر بعد وَكْزه المصري وقضائه عليه، بأنه"فرار" (4) لأن القرآن الكريم نفسه يقول على لسان ذلك الرسول الكريم في حديثه إلى فرعون بعد أن عاد إلى أرض الكِنَانَة محمَّلاً برسالة السماء: (( ففررت منكم لمّا خفتكم ) ) (5) ، وفوق هذا فإن هذا الفرار إنما كان قبل بعثته، ولذلك لم يعقب الله - سبحانه - على تصرفه هذا بشىء، على عكس الحال في قصة يونس - عليه السلام - حين أَبَق من قومه لعنادهم وتصلبهم في الكفر، فركب سفينة لترسو عليه القرعة، ويلقى بنفسه في البحر من ثم فيبتلعه الحوت حيث يقاسى في بطنه الأهوال إلى أن كتب الله له الفرج (6) ، أما تسمية الهجرة المحمدية"فراراً"فهي في الواقع خطأٌ صُراحٌ، وإساءة لا تصح، وإذا كان بعض المستشرقين من غير المسلمين يستعملون هذه اللفظة لقد كان أَقْمَنَ بأسد اختطاطُ سبيلٍ أخرى، وعنده مندوحة عريضة في كلمة"Hegi r a"التي دخلت قاموس اللغة الإنجليزية، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ منها، إن محمداً - عليه الصلاة والسلام - لم يهاجر من مكة إلا بإذن إلهى، فكيف تُسَمَّى هجرته"فراراً"، ثم إن أسد نفسه يقول إن لفظة"الهجرة"هي من الألفاظ ذات الإيحاءات الروحية، فبأي معنى طاوعته نفسه إذن لترجمتها بـ"الفرار"مُنْزِلاً إياها من أعلى عِلِّيّين إلى أسفل سافلين؟
وقد ترجم كاتبنا أيضاً عبارة"مِنْ خِلاف"في قوله تعالى: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن في الأرض فساداً أن يُقَتَّلوا أو يُصَلّبوا أو تُقَطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنْفَوْا من الأرض ) ) (7) ، وكذلك في قوله سبحانه على لسان فرعون يهدّد سَحَرَته بعد انقلابهم عليه وإيمانهم بموسى: (( فلأُقَطِّعَنَّ أيديَكم وأرجلَكم من خلاف ) ) (8) بـ"because of (in r esult of) you r pe r ve r sness" (9) ، أي بسبب الإفساد (الناشئ عن الخلاف والعصيان) ، مخالفاً بذلك ما قاله علماء المسلمين من أن المقصود هو قطع اليد اليمنى والقدم اليسرى، أي من جهتين مختلفتين.
والحق إنه لمن الصعب جداً موافقة الأستاذ أسد على هذه الترجمة، إذ من غير المعقول أن يفهم - وهو الأجنبي وبعد كل هاتيك القرون - تعبيراً عربياً قديماً أفضل مما فهمه كل المفسرين والفقهاء المسلمين تقريباً، وأيضاً من الصعب جداً أن تكون عبارة"من خلاف"إشارة إلى علة تقطيع أيدي المفسدين الخارجين وأرجلهم، والسبب هو أن تلك العلة قد نُصَّ عليها قبل ذلك في كل الآيات المذكورة: ففي آيات"المائدة"نقرأ في أولها: (( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويَسْعَوْن في الأرض فساداً... ) )، فالعلة إذن هي محاربة الله ورسوله، والسعي في الأرض فساداً، فلماذا يعاد النص على تلك العلة بعد ذلك على هذا النحو الغامض بعبارة"من خلاف"؟