فهرس الكتاب

الصفحة 9490 من 27364

والخطوة الخامسة خطيرة وذكية: يجب تعيين مبشرين أو دعاة متجولين للنصرانية على غرار الدعاة المسلمين المتنقلين، وعلى كل منهم أن يمكث في القرية الواقعة ضمن نطاق عمله مدة تكفي للتأثير على الناس، وإقامة مكان للعبادة، ويجب الاعتناء باختيار هذه العناصر إذا كانت هناك قرى مسلمة في المنطقة.

والخطوة السادسة ليست غريبة: يجب إقامة كلية مسيحية تضم الخبراء في الشئون الإسلامية في كل مكان، يكون فيه المسلمون أغلبية.

الإسلام يتحدى:

وعلى الرغم من كل هذه الجهود يقف الإسلام الأعزل يتحدى المخططات، ويحاول الكاتب الأمريكي"ألان مروهيد"في كتابه"النيل الأبيض"الصادر عام 1960 تحليل التحدي الإسلامي تمهيداً للتغلب عليه، ويحدد التحدي الإسلامي في بساطة العقيدة فكراً، وممارسة، وغياب الكهنوت، وسهولة العبادة دون وساطة، ويرى مورهيد أن هذه السمات تلائم العقل الأفريقي الساذج والمتخلف الذي لا يستطيع أن يفهم أسرار وفلسفات المسيحية، ويا له من اتجاه عنصري يسم الأفارقة بالبلاهة، وهو يخطط لتنصيرهم!! غير أن الكاتب نفسه يعود ليكشف عن حقيقة غربة النصرانية عن أفريقيا، وتناسب الإسلام معها، ورسوخه في تربتها، فيرى أن المسيحية جاءت إلى القارة السوداء بطراز معماري أوروبي للكنائس، وبثياب أوروبية ضيقة لا تتفق والمناخ الحار، أما عمارة المسجد لمساحاته الممتدة تحت القباب المستديرة فيتواءم مع البيئة، ونوعية الأرض، كما يناسبها الجلباب العربي الفضفاض.

وتنصب جهود المبشرين الأجانب حتى وقتنا الراهن في محاولة استنباط شكل من الممارسة الكنسية يكون ملائماً لأفريقيا وآسيا، ويمكِّن عقيدتهم من الوقوف في وجه الإسلام، غير أن المؤسسة الكنسية هي نبت أوروبي سار مع مسار التاريخ الغربي، وتطور مع تطورات الحضارة الأوروبية في وقت ضعفت فيه الكنائس الشرقية، ولا ريب أن أي محاولة لتغطية الوجه الغربي الأوروبي للمسيحية العالمية هي محاولة مصطنعة فاشلة.

الرق:

نمر على قضية يثيرها المبشرون في أفريقيا لتشويه صورة الإسلام بربط التجار المسلمين بالرق، والوصول من ذلك إلى أن الإسلام يناصر الاستعباد، وهنا نقف مرة أخرى لنسأل: هل هم ينشرون المسيحية أم يحاربون الإسلام؟

ونذكر أن الكتب المقدسة للمسيحيين لا تقول شيئاً عن الرق إلا في رسائل القديس بولس، حيث تأمر العبد بالطاعة والاستسلام لسيده، إلا أنها لا تتعرض لحاله على الأرض، بينما يحث الإسلام على عتق الرقاب، ويجعل ذلك كفارة عن بعض الذنوب، ويسد ينابيع الاسترقاق، ويفتح باب التحرير، وتلاحظ - مريم جميلة - أن النصارى والمسلمين كان لهم دور في تجارة الرقيق بأفريقيا في القرن التاسع عشر؛ غير أن قيام بعض المسلمين بذلك كان مخالفاً لتعاليم الإسلام، ثم إن نظام العبودية ظل قائماً في أمريكا المتحضرة حتى عام 1965.

العنصرية:

مازالت آثار التفرقة العنصرية والتعصب ضد السود قائمة حتى الآن في الكنائس المنفصلة للبيض والسود، ولا يغير تغرُّب الأسود وتقبله للنصرانية من الأمر شيء، فمهما فعل يظل أقل مكانة من الأبيض.

وتتحدد نظرة كل من المسيحية والإسلام إلى المسألة العنصرية أو الطبقية في قضية محدة العبادة، فما زالت كنائس البيض منفصلة عن كنائس السود حتى الآن في مناطق واسعة من أمريكا، وفي كل أنحاء جنوب أفريقيا، وعندما عقد مؤتمر كنسي في جنوب أفريقيا أواخر عام 1954 قسمت القائمة إلى نصفين؛ خصص أحدهما للكهنة البيض، والآخر للسود، جلسوا ليبحثوا مشكلة التفرقة العنصرية، و قد خطب في الجمع قس أسود فقال لهم: إنهم قسموا المسيح كما قسموا القاعة، وسخروا منه، وهم يقولون: إنه ابن للأب، فإلى أي فريق ينحاز الأب، وإلى أي جماعة يذهب المسيح إذا عاد إلى الأرض، وأدان قس آخر دفاع الكنيسة البروتستانتية في جنوب أفريقيا عن مبدأ التفرقة العنصرية، مذكراً قادتها بأن الحب الذي يقولون: إنه جوهر المسيحية لا يتحقق عندما يحرم طفل أفريقي من التمتع بجمال حديقة مقصورة على البيض، أو يمنع عامل أسود من الجلوس مع مخدوميه البيض في كنيسة واحدة.

وعلى النقيض نجد صورة تعبر عن المساواة في العبادة عند المسلمين، وهي صورة رسمها قلم كاتب إنجليزي زار القاهرة في مطلع القرن الحالي، ودخل أحد المساجد خلسة ليفاجأ في صفوف المصلين بنماذج لكل طبقات ومستويات المجتمع المصري، تقف متراصة متوحدة خاشعة لله في الصلاة، بدون تفرقة أو تمييز، ويحدثنا الكاتب عن الفلاح الواقف بجانب التاجر الغني، والعامل المكدود والطالب لابس الثياب الأفرنجية والشيخ بعباءته، وتتعدد أشكال وألوان الملابس داخل المسجد، ولكن تتوحد القلوب وأركان الفريضة لتدل على أعظم إنجازات الإسلام - كما وصفها المؤرخ البريطاني المشهور توينبي - وهي إلغاء المشاعر العنصرية.

أساليب تنصيرية أخرى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت