ويزيد الاستغراب والتساؤل عندما يقول زويمر: إن ضياع الاستقلال السياسي للبلدان الإسلامية يتواكب - مع ما يسميه - بحركة عصرية تدعو إلى تقليد الغرب، ونقل نماذجه ومُثُله الفكرية والاجتماعية، ويركز على أهمية النظام التعليمي بالنسبة لجهود المبشرين، حيث يرى أنه يعرّف الناشئة وهم في سن الانصياع على حضارة الدين المسيحي، ويمتدح الحكومات المقامة في البلاد الإسلامية؛ والتي نشرت مثل هذا النظام على حساب التعليم الإسلامي، ويلمح في هذا الوضع الجديد فرصة لم تتح من قبل منحها الرب - حسب قوله - لتنصير الطفولة المسلمة، ونتركه يتحدث:-
لقد فقد الإسلام قوته في كل مكان، وبينما كانت غيرة الحكام المسلمين في السابق تمنع جهود التبشير بين المسلمين، أو تعرقلها؛ فإن سيف الإسلام الآن قد انكسر، وذلت قلوب المسلمين، وخضعت في كل الأرجاء بسبب الكوارث التي قامت بهؤلاء الحكام ولا ريب، أو وقوع البلدان الإسلامية تحت الحكم الأوروبي بما يعنيه من استقرار الإدارة، والتعليم يعني حتمية انهيار المعارضة الإسلامية.
الأخطبوط التنصيري:
نستخلص من هذه الأقوال وما يشابهها سنة لا تتغير من سنن الهجوم الغربي على الإسلام، فهناك التوسع العسكري والاقتصادي والثقافي للغرب، ويتواكب مع تغريب البلاد الإسلامية بالكامل، وضياع أراضيها واستقلالها في هذه المجالات، ثم إضاعة الإسلام بعقيدته ومظاهره، وإحلال العقائد الغربية - وعلى رأسها النصرانية - محله، ومن المؤكد أن النجاح الذي حققته جهود التبشير في السنوات الأخيرة في إندونيسيا وباكستان لم يكن ليحدث إلا في ظل سيطرة غربية كاملة على حكومات هذه البلاد التي شجعت بالفعل النشاط التنصيري، ودعمته لإرضاء مسانديها الغربيين، محتجة بشعارات التسامح والليبرالية والعلمانية، ونضرب المثل على هذا الاتجاه بما وقع في إندونيسيا عقب الانقلاب العسكري الموالي للغرب الذي حدث هناك عام 1966، ونذكر هنا شهادة مجلة التايم الأمريكية في 16 يونيو 1967:
إن هذه الأمة الإسلامية اليوم مسرح لنشاط تنصيري متصاعد أطلقت عليه جريدة مسيحية أمريكية وصف أكبر حركة باتجاه المسيحية في الفترات الحديثة، إذ يقدر أن الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية قد اكتسبت حوالي ربع مليون متنصر خلال الأشهر العشرين التي أعقبت الثورة المضادة للشيوعية، وقد اعتنق المسيحية في جاوة الشرقية والوسطى في تلك الفترة خمسة وستون ألف شخص، بينما انضم ستة عشر ألفاً إلى الكنائس في سومطرة الشمالية، وأقيمت ثلاثون كنيسة جديدة في إقليم واحد بغرب بورنيو تضم خمسة آلاف شخص، ونظمت في العاصمة خمسون حلقة لدراسة الأناجيل التي نفذت طبعاتها لاشتداد الطلب عليها، وقد خصص مجلس الكنائس الأمريكي حوالي ثلث مليون دولار لمساعدة الكنائس البروتستانتية بإندونيسيا على استيعاب الأعضاء الجدد.
وعلى الرغم من أن معظم المتنصرين إن لم يكن كلهم من القطاعات الوثنية أو المسلمة بالنسبة فقط؛ إلا أن مجرد قيام هذا النشاط الوقح المدعم بالأموال الأمريكية في بلد تصفه المجلة الأمريكية ذاتها بأنه مسلم بنسبة 90% يدل على أمور خطيرة.
أساليب المبشرين:
نمضي في استعراض بعض أساليب المبشرين، وننتقي مثلاً من مخطط وضعه أحدهم لمنطقة غرب أفريقيا ونيجيريا في مواجهة الإسلام ومده، ومن الغريب أن نجد المبشر يضع خطة ويعنونها"الجهد المنظم لمكافحة تقدم الإسلام في غرب أفريقيا"، ونتساءل: هل المطلوب نشر النصرانية أم ضرب الإسلام أم أن الاثنين لا ينفصلان؟
ونتساءل عمن يمكِّن لهؤلاء أن يضعوا خططهم وينفذوها؟ هل هي الحكومات الاستعمارية التي زالت رسمياً، أم خلفاؤها الذين يتربعون على رؤوس السلطة تحت اسم الحكام الوطنيين المستقلين؟ ونسير مع خطة المبشر لنجده يوصي بإصدار كتب باللغات العامية تتناول دحض ما يسميه الافتراءات المحمدية القائمة على الجهل، ويقول: إن هناك مواداً كافية متاحة حول هذا الموضوع في مصر والهند، والمطلوب نقلها إلى غرب أفريقيا حتى تُستَخدم الأسلحة المصاغة على الحرب ضد الإسلام في كل مكان.
والخطوة الثانية في مشروع المبشر أخطر من الأولى: يجب أن تدرس في مدارس البعثات التبشيرية كل أخطاء الإسلام، وأن يحذر التلاميذ منها.
ومدارس البعثات التبشيرية هذه هي القائمة بيننا بأسماء أجنبية معروفة، والتي تتقاضى أعلى المصروفات.
أما الخطوة الثالثة فتنادي بعقد اجتماعات خاصة للمحمديين - كما يسميهم المبشر -، والبحث في الوسائل التي يمكن بها النفاذ إليهم، والتأثير عليهم لترك دينهم، والإقبال على النصرانية.
والخطوة الرابعة لافتة للنظر: يجب احتلال المراكز (المدن) المحمدية الهامة، حيث أن الدعوة الإسلامية تنتشر منها إلى المناطق الوثنية المجاورة.
ونتساءل عمن سيحتل هذه المراكز، وكيف سيكون الاحتلال؟