فهرس الكتاب

الصفحة 9491 من 27364

ونعود لنلقي الأضواء على بعض أساليب المستشرقين، وننظر لنجد الاستغلال البشع ممثلاً في تلك الجماعة التبشيرية التي استقرت بالمغرب في أوائل القرن الحالي، واحتمت بالاستعمار الفرنسي والأسباني لتأخذ أيتام المسلمين في مدينة طنجة، وتنصرهم لقاء الخبز والمأوى، ثم ترسل بهم ليكونوا مرتزقة في خدمة الجيش الفرنسي الاستعماري في حروبه ضد الشعوب المسلمة وغير المسلمة، ونلمح هنا التدني والحقارة في قصة ذلك المبشر الذي أقنع أحد الأطفال الهنود المسلمين بأنه إذا صلى للمسيح، ورسم علامة الصليب على صدره؛ فإن فريقاً لكرة الكريكيت سينتصر على الخصوم بفضل الرب.

ثم نرى كيف يضع المبشرون أساطيرهم حول مهارتهم في التنصير، لنقرأ ما كتبه أحدهم: عن شاب دمشقي من عائلة مسلمة كفر بالدين بعد اطلاعه على العلم الحديث، لكنه عاد وآمن بالمسيحية عندما أخبره صديق نصراني أن المسيحية لا تحرم الموسيقى والرسم كما يفعل الإسلام المتعصب.

المرأة و أسلحة المنصرين:

ونقف عند نشاط المبشرين في مجال العلاقات الاجتماعية في البلاد الإسلامية لتلاحظ أنهم يهتمون كثيراً بما يسمونه تحرير المرأة، أو تنفيرها من الإسلام وتعويدها على العادات الغربية لهز الإيمان في نفسها، وزعزعته، أو وأده في أطفال المستقبل.

ويركز المبشرون في العديد من المناطق على ضرورة تخلي المرأة المسلمة عن الزي المحتشم، وتمردها على الأسرة، وخروجها إلى المراقص والملاهي حتى وإن لم يؤدِ ذلك في النهاية إلى اعتناق المسيحية.

ويتضح من هذا الاتجاه أن للتغريب والتشكيك في الإسلام أهدافاً أصيلة في عمل المبشرين تفوق بالفعل اهتمامهم بالدعوة إلى النصرانية، ويبرز هنا كمثال: قيام مبشرة هولندية بإنشاء مدرسة للبنات في مدينة البصرة عام 1909 لتربيتهن تربية أوروبية صرفة، وتجهيزهن لإكمال التعليم في الغرب حين يبعدن عن الإسلام تماماً، وكانت هذه المبشرة تهتم بمتابعة أخبار طالباتها، وتفرح عندما تسمع أنهن تخلين عن الزي العراقي التقليدي، واتبعن العادات الغربية في بيوتهن، ومع أطفالهن، وقد سجلت تجربتها هذه في كتاب صدر في أمريكا عام 1961، وتتحدث بابتهاج عن التغير الاجتماعي المواتي للغرب الذي يمكن للمعاهد العلمية التبشيرية والغربية أن تحدثه، وتجدر الإشارة هنا إلى الدور الذي تقوم به الجامعة الأمريكية في القاهرة وبيروت، وكلية روبرتس في إسطنبول وغيرها.

السلبية البغيضة:

لكن الجانب الأخطر في كل هذه النشاطات التنصيرية يكمن في جهل المسلمين بها، وسلبيتهم إزاءها، وتواطؤ الحكومات في البلاد الإسلامية معها.

فالدعوة الإسلامية غائبة عن الأقليات غير المسلمة المقيمة في بلاد المسلمين، والحكام العلمانيون تخلوا عن واجب الحاكم في الإسلام الذي يحتم عليه رعاية القيم الدينية لمواطنيه، وتشجيع الدعوة لنشر الإسلام، ويقف المسلمون في حالة من الغفوة المشينة إزاء المبشرين المسلحين بالأموال الطائلة، والنفوذ السياسي، والذين يسخرون المؤسسات الاجتماعية الضرورية كالمكتبات والمدارس والملاجئ والمستشفيات ودور الرعاية ومراكز الشباب لنشر دعوتهم حتى في داخل بلاد المسلمين أنفسهم.

والمبشرون ينوعون أساليبهم ما بين الإقناع والإرهاب، والإغراء واستغلال الجهل والحاجة، وهم يجتذبون الفقراء بالمال، أو تزويد المسكن، أو الإرشاد الزراعي، أو الخبز، أو فرص التعليم، أو مناصرة قضايا المظلومين؛ بالاستناد إلى الحماية الخارجية، وهكذا يتحول المبشرون إلى تيار اجتماعي سياسي قوي ينافس الدولة ويخيفها إن لم يسيطر عليها، وبهذه الطريقة ضاعت الأغلبية المسلمة في كثير من الدول الأفريقية، واهتزت في بلاد إسلامية كبيرة كأندونيسيا والباكستان.

وعندما قام حاكم مسلم مستنير كأحمد وبيلو، وأبو بكر تيفاواباليوا في نيجيريا أسقط فوراً في انقلاب عسكري دموي دبرته الصليبية الدولية بالتحالف مع الصهيونية، وكانت جريرته التي قتل بها في يناير عام 1966 أنه شجع الدعوة الإسلامية مما أدى إلى اعتناق الألوف المؤلفة من النصارى والوثنيين للإسلام، وقبلها بعامين تحالفت الصليبية مع الشيوعي السابق جوليوس نيريري وبعض الاتجاهات العسكرية الماركسية لقلب حكومة زنزبار المسلمة، وتنحية الحاكم العربي الشرعي السلطان جمشيد، وإحلال حكم مسيحي محله بعد ذبح أعداد لا حصر لها من المسلمين في هذه الجزيرة وتصفية سكانها من العرب، وببساطة شديدة انتهت زنزبار كمعقل إسلامي كبير وقديم في شرق أفريقيا.

الجهود التنصيرية في باكستان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت