وفي الوقت نفسه، بينما نحن نُخفض من عدد أسلحتنا في الترسانة النووية، فعلينا أن نعيد تحديثها مطورين بذلك أجهزة تقليدية جديدة تكون أكثر ملاءمة لردع الأعداء المحتملين. كما علينا أن نتأكد جيداً من فعالية أسلحتنا النووية ومصداقيتها.
ومن هنا.. يشكل هذا"الثلاثي الجديد"- الذي يشتمل على قوات نووية مُخفضة وقدرات تقليدية مُطورة، وعلى عدد من الدفاعات الجديدة المختلفة - نظرية ردعية جديدة. ولكن وصولنا إلى ذلك الثلاثي يتطلب منا اقتراباً جديداً لموازنة المخاطر. ففي الماضي كان الاقتراب القائم على التهديد يركز أساساً على المخاطر قريبة المدى. أما الآن فبناء جيش القرن الواحد والعشرين يتطلب منا موازنة جميع المخاطر القائمة؛ حتى نصير متأهبين للمخاطر الأقرب مدى.
لا بد أن نغير، ليس فقط قواتنا المسلحة، بل أيضًا وزارة الدفاع التي تسهر على خدمتها؛ وذلك من خلال تشجيع ثقافة الإبداع والتعامل مع المخاطر بحنكة وذكاء. لا بد أن نروِّج لاقتراب يشجع الناس على المبادرة وليس على رد الفعل.. على التعامل كرأسماليين مغامرين أكثر من بيروقراطيين مأمورين؛ على توقع المخاطر قبل ظهورها وإيجاد حلول لردعها، وليس انتظارها حتى تظهر.
وأخيرًا علينا أن نغير، ليس فقط إمكاناتنا وقدراتنا، بل نغير طريقة تفكيرنا في الحرب أيضا. تخيل ولو للحظة أنك استطعت العودة إلى الوراء زمانياً، فقابلت فارساً في محكمة الملك آرثر، وأعطيته M-16. فإذا أخذ السلاح، ورجع على فرسه، واستخدمه ليضرب به رأس عدوه.. فلن يُعد ذلك تحولاً. إنما يحدث التحول الحقيقي عندما يختبئ وراء شجرة ويبدأ في إطلاق النار. إن جميع الأسلحة التكنولوجية في العالم لن تفلح في تغيير القوات الأمريكية المسلحة إلا بعد أن يحدث تغيير مماثل في أسلوب تفكيرنا وقتالنا وممارستنا.
دروس حرب أفغانستان
البعض يعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية - في خضم حربها الصعبة والخطيرة على الإرهاب - ليس لديها القابلية لتغيير قواتها المسلحة، على افتراض أن التوقيت غير مناسب. أما أنا فأعتقد أن العكس هو الصحيح. فالوقت الحالي هو أنسب وقت لإحداث تلك التحولات. إن أحداث 11 سبتمبر تخلق بقوة حالة الفعل.
في كل يوم جديد تواجه وزارة الدفاع متطلبات ضرورية قريبة المدى، مما يخلق ضغوطاً كبيرة علينا.. فنضطر في النهاية إلى تركها للمستقبل. ولكن 11 سبتمبر جاء ليعلمنا أن المستقبل يحمل في جعبته الكثير من المخاطر غير المعروفة؛ فيصير عدم استعدادنا لها هلاكاً لنا. والتحدي الذي يواجهنا هو أن الوقت يمرّ أمامنا؛ فلا نستطيع أن نُرجع عقارب الساعة إلى الوراء.
لقد أعدّ البنتاجون نفسه للمهمة. ففي عام واحد - 2001م - استطعنا أن ننتهج إستراتيجية جديدة للدفاع، فقمنا بتبديل هيكل الحرب الثنائية التقليدية باقتراب أكثر اتساقاً مع القرن الواحد والعشرين. لقد انتهجنا إستراتيجية جديدة لموازنة المخاطر، وأعدنا تنظيم البحوث حول الصاروخ الدفاعي وبرنامج الاختبارات، متحررين من قيود اتفاقية الصواريخ الباليستية المضادة. وأعدنا تنظيم الوزارة لتكون أكثر تركيزاً على القدرات الفضائية. كما انتهجنا اقتراباً جديداً للردع الإستراتيجي يقوم على زيادة نسبة الأمن مع تقليل اعتمادنا على الأسلحة الإستراتيجية النووية. كل ذلك فعلناه في أثناء حربنا ضد الإرهاب - وهذا ليس بداية سيئة أبدًا لوزارة مثل وزارتنا، من المفترض أن تكون شديدة الرفض للتغيير.
وطبعًا، في أثناء التغيرات التي يجريها البنتاجون لا يجب أبدًا أن نعتقد أن تجربتنا في أفغانستان هي النموذج للحملة العسكرية القادمة. فإعادة الحرب الأخيرة هي خطأ يتكرر على مر التاريخ العسكري؛ ومن ثَم يجب علينا تجنبه. ولكن بالرغم من ذلك، يمكننا أن نأخذ الكثير من الدروس والعبر من تجاربنا الأخيرة، والتي يمكن أن نستفيد منها للمستقبل:
أولاً: حروب القرن الحادي والعشرين ستستنفذ كل طاقة الدولة: اقتصاديًّا ودبلوماسيًّا وتمويليًّا وقانونيًّا واستخباراتيًّا. وأخيرًا جميع العمليات العسكرية، سواء المعلن عنها أو غير المعلن عنها. وقد قال كلاوتسفيتز Clausewitz:"الحرب هي تكملة للسياسة من خلال أساليب أخرى". وفي هذا القرن معظم تلك الأساليب ليست عسكرية.
ثانيًا: إن قدرة القوات على التعامل والاتصال مع بعضها البعض على أرض المعركة سيصير عاملاً أساسيًّا للنجاح. ففي أفغانستان رأينا فرق القوات الخاصة الأمريكية تعمل يدًا بيد مع القوات الجوية، والبحرية.. من أجل تعريف الأهداف وضبط توقيت الضربات الجوية. إن الدرس من هذه الحرب يتلخص في كون فعالية القتال تعتمد أساسًا على"الاشتراك والتعاون"، بما يعني القدرة على تنسيق قدرات الفروع المختلفة داخل الجيش، وذلك في أثناء اشتعال الحرب. وتحقيق ذلك التعاون في وقت الحرب يتطلب أيضًا تحقيقه في وقت السلم. فلا بدّ أن نتدرب كما نحارب وأن نحارب كما نتدرب.