قرَّرنا كذلك هجْر الإستراتيجية القديمة القائمة على"التهديد"، تلك الإستراتيجية التي ظلت مسيطرة على خططنا الدفاعية لأكثر من نصف قرن.. والبدء في انتهاج اقتراب جديد قائم على"القدرات"، حيث يتصف الأخير بسياسة أقل تركيزًا على من يمكن أن يهددنا، أو أين، وأكثر تركيزًا على كيف يمكن أن يهددنا، وكيف يمكن أن نصده ونردعه.
وقد يشبهنا هذا الأمر بلصوص المنازل. فأنت لا تستطيع أن تعلم من الذي يريد اقتحام بيتك، أو متى سيقتحمه.. ولكن يمكن أن تعرف كيف يمكن أن يقتحم بيتك. فإذا علمت أن بإمكان اللص أن يسرق مفتاحك، فعليك على الفور أن تضع مزلاجًا صلبًا شديد الإحكام على بابك. وإذا علمت أن بإمكانه أن يقتحم النافذة فيكسرها، فعليك أن تضع آلة إنذار. وأنت تعلم بالطبع أنه من الأفضل منع اللص ووقفه من قبل أن يدخل إلى بيتك؛ ولذلك فأنت بحاجة ماسة إلى قوة أمنية، لتحرس المنطقة وتمنع الصبية الأشرار من الاقتراب.
والمنطق نفسه يمكن أن نطبقه على سياسة الدفاع القومي، فبدلاً من حشد القوات المسلحة، وإعداد الخطط لمحاربة هذه الدولة أو تلك، علينا أن نتجه إلى اختبار مواطن ضعفنا.. وأن نسأل أنفسنا، كما قال الملك فريدريك الأعظم في كتابه القواعد العامة للحرب،"ماذا كنت سأفعل لو وضعت نفسي مكان العدو؟". ومن ثَم، نؤقلم قواتنا كأحسن ما يكون، في سبيل التغلب على ذلك التهديد.
نعلم مثلاً أن القوة الأمريكية لا تضاهيها أية قوة في العالم، سواء في مجال الجو أو البحر أو الأرض؛ ولذا يكون من الغباء المفرط أن يتجه العدو المفترض إلى مبارزة الولايات المتحدة مباشرة في أي من تلك المجالات. ولقد أدرك أعداؤنا جيداً من خلال حرب الخليج أن تحدي قواتنا المسلحة لن يأتي عليهم إلا بالهلاك. ومن ثَم فبدلاً من أن يتجه أعداؤنا إلى إقامة جيوش وأساطيل منافسة، سيتجهون أكثر إلى الدخول في تحدٍّ غير متناسق؛ وذلك من خلال البحث عن مواطن ضعفنا، محاولين استغلالها بقدر الإمكان.
إن أعداءنا يعلمون جيداً أن الولايات المتحدة الأمريكية كمجتمع مفتوح تعتبر"هشّة"إلى درجة يمكن أن تعرضها لأشكال جديدة من الإرهاب. فهم مثلاً يشكون أن ممتلكاتنا الفضائية وشبكاتنا المعلوماتية قابلة للاختراق. وهم يعلمون أن اقتحامنا لأي ركن بعيد في العالم، إنما يعتمد على قواعد خارجية هشة. وهم على علم أيضًا بأنه ليس لدينا دفاع ضد الهجمات الصاروخية الباليستية، وهو ما يشجعهم على إيجاد أسلحة تدمير شامل، وإيجاد السبل لنقلها.
ومن هنا فإن علينا نغلق جميع المنافذ التي تمكّن الأعداء منا، وهو ما يحتم علينا إعداد أنفسنا لأنواع جديدة من الإرهاب، التي يمكن أن تتضمن التالي:
الهجوم على الممتلكات الفضائية الأمريكية، الهجوم الشبكي على شبكاتنا المعلوماتية، الهجوم على صواريخنا الباليستية وصواريخ الكروز، وأخيرًا الهجوم على الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية. وفي الوقت نفسه، على الولايات المتحدة أن تهتم بتطوير المجالات التي تتميز فيها، مثل قدراتها الحربية في الفضاء والمعلومات، ودقة أسلحتها في الضرب، وقدرتها في استخدام حروب عسكرية بعيدة المدى.
إستراتيجية سداسية
قبل الهجوم الإرهابي على نيويورك وواشنطن، كنا قد أخذنا في قرارة أنفسنا، أنه من أجل الحفاظ على السلام والدفاع عن الحرية يجب على وزارة دفاعنا أن تحقق ستة أهداف إلزامية:
1)حماية الداخل الأمريكي، وحماية قواعدنا في الخارج.
2)الإبقاء على مستوى قوتنا في الأماكن البعيدة.
3)إفهام أعدائنا أنه ليس لديهم مأوى يحميهم منا؛ فيتأكدون أنه ليس هناك ركن، ولا جبل، ولا كهف سيمنعهم منا.
4)حماية شبكاتنا المعلوماتية من أي اختراق.
5)استخدام التكنولوجيا المعلوماتية لربط القوات الأمريكية المختلفة، وهو ما يؤهلها للقتال معًا في صف واحد.
6)الحفاظ على اتصال سهل وسلس بالفضاء الخارجي، وحماية قدراتنا الفضائية من أي هجوم غاشم.
وكانت تجربتنا في يوم 11 سبتمبر، وما تلاها من الحملة الأفغانية، حافزًا رئيسيًّا لنا لتحريك الدفاع الأمريكي في هذه الاتجاهات؛ ولهذا السبب تم تصميم ميزانية الدفاع لعام 2003م بناء على تقديم هذه الأهداف الستة، على أن تصاحبها زيادة واضحة في التمويل. فقد قمنا برفع حجم التمويل لكل من برامج التحديث التي تدعم التغيير والتطوير، وبرامج التنمية التي تمدنا بقدرات جديدة.
فعلى امتداد السنوات الخمس القادمة سنقوم بزيادة الإنفاق على الدفاع عن قواعدنا الداخلية والخارجية بمعدل 47%، وعلى المشاريع التي لن تمكّن العدو من الاحتماء بأي مأوى بمعدل 157%، وعلى البرامج التي تحمي التكنولوجيا المعلوماتية وتدعمها بمعدل 125%، على البرامج التي تخترق شبكات العدو المعلوماتية وتحمي شبكاتنا بمعدل 28%، وعلى البرامج التي تضمن اختراق قواتنا للمناطق البعيدة بمعدل 21%، وأخيرًا على البرامج التي ستدعم من قدراتنا الفضائية بمعدل 145%.