فهرس الكتاب

الصفحة 8527 من 27364

وكذلك كان الأمر بالنسبة لمعركة"مزار شريف"التي أظهرت تحولاً ملموسًا في آلية الحرب. فقد قامت قوات التحالف باستخدام جميع الإمكانات العسكرية الموجودة - من أكثر الأسلحة تطورًا، مثل أسلحة الليزر، إلى أكثر الأسلحة قدماً وعتاقة، مثل أسلحة الـ B-52s التي يصل عمرها إلى أربعين عامًا، إلى أكثر الأسلحة بدائية، رجل يمتطي فرسًا، قامت باستخدامها جميعًا في وقت واحد وبطرق غير مألوفة.

وهذا بالطبع ليس معناه أن تصير"تلك التوليفة"نموذجًا يُقتدى به في الحروب القادمة، فالدرس من الحرب الأفغانية ليس الغرض منه هو أن يبدأ الجيش الأمريكي في تخزين المواد الأولية للحرب. وإنما الدرس الذي يجب أن نعيه جيدًا هو: أن الإعداد للمستقبل سوف يتطلب طرقًا جديدة في التفكير، كما سيتطلب تنمية القدرات والإمكانات التي تستطيع أن تتأقلم سريعًا مع التحديات الجديدة والظروف غير المتوقعة. إن القدرة على التأقلم سوف تكون ذات أهمية قصوى، في عالم يتصف بالمفاجأة وعدم الأمان.

في خلال الحرب الباردة واجهنا العديد من المخاطر المتوقعة. لقد كنا نعلم قدرًا كبيرًا من المعلومات عن عدونا وعن قدراته، وعلى هذا الأساس قمنا بتنمية الإستراتيجيات والإمكانات المطلوبة لردع ذلك العدو.. وكانت النتيجة أننا أظهرنا قدرًا كبيرًا من الإنجازات: فأنشأنا ترسانة نووية، ودخلنا عصر الطائرات النفاثة، وبنينا غواصات وسفنا مزودة بالقوة النووية، وأنشأنا أول صاروخ عابر للقارات.. بالإضافة إلى القوات الضخمة التي قمنا بحشدها داخل أوروبا من أجل منع أي اقتحام سوفيتي على الحدود الشمالية الألمانية.

وكذلك انتهجنا إستراتيجية"الاحتواء"من خلال بعث الخبراء العسكريين بهدف زعزعة الحكومات"الببغاوية"الخاضعة للاتحاد السوفيتي، وأيضا من خلال تدعيم الأنظمة الموالية والمهددة من قِبل الاستعمار السوفيتي.

وعلى امتداد نصف قرن أدى ذلك المزج بين كل من الإستراتيجية والقدرات والقوات إلى خلق السلام والإبقاء عليه؛ بالإضافة إلى المحافظة على الحرية. أما الآن.. فقد انقضت الحرب الباردة، واندثر الاتحاد السوفيتي، ومعه البيئة الأمنية التي نشأ عليها شعبنا وترعرع. فكما تعلمنا من أحداث سبتمبر المؤسفة، أصبحت تحديات القرن الجديد مفتقدة لأية توقعات، بعكس القرن الماضي.

من كان يتوقع، منذ شهور مضت، أن يُقدم الإرهابيون على ضرب البنتاجون ومركز التجارة العالمي، تاركين آلاف القتلى والضحايا؟ ولن يتوقف الأمر عند هذا الحد.. ففي السنوات القادمة سنفاجأ بأعداء جدد، يهاجمون بطرق غير متوقعة. وبما أنهم سيكونون أكثر سيطرة وهيمنة على السلاح، فستكون الخسائر بالتالي فادحة، بل أكثر فداحة من خسائر 11 سبتمبر.

إن التحدي الذي نواجهه في هذا القرن الجديد إنما هو تحدٍّ صعب، بل في غاية الصعوبة. إنه يستلزم منا الدفاع عن بلادنا ضد كل ما هو غير معروف؛ ضد كل ما هو غير مضمون؛ ضد كل ما هو غير مرئي؛ ضد كل ما هو غير متوقَّع. وقد يتبادر للذهن، منذ أول وهلة، أن تدخل هذه المهمة في نطاق المستحيل.. ولكن الحقيقة غير ذلك. فكل ما علينا هو أن ننأى جانبًا عن"الأسلوب المريح"سواء في التفكير أو في التخطيط؛ وأن ننتهج بدلاً منه"الأسلوب غير المألوف"فنركب الصعاب ونخوض المخاطر، ونجرّب كل ما هو جديد حتى يتسنى لنا ردع أعدائنا، بل وهزيمتهم، من قبل حتى أن يظهروا علينا.

سحقًا للقديم

قبل أحداث 11 سبتمبر، كان القادة الأمريكيون، سواء في المجال المدني أو العسكري، منخرطين في خطة"معهودة"للدفاع. ولكن في ظل مراجعة تقرير الدفاع الأمريكي الذي يتم إعداده كل أربع سنوات، بدأت نظرتنا إلى البيئة الأمنية حولنا تصير أكثر إمعانًا وتركيزًا، وهو ما أوصلنا إلى ضرورة تبني إستراتيجية جديدة.

لقد قرَّرنا أن ننأى بأنفسنا عن منظومة"وجود قوتين أساسيتين على مسرح الحرب"؛ التي كانت تنادي إلى الحفاظ على قوتين عظميين للاحتلال، تتمكنان من اقتحام دولتين عدوتين في لحظة واحدة. ولا غبار على أن هذه الفلسفة قد نفعتنا نفعًا كبيرًا في فترة ما بعد الحرب الباردة؛ أما الآن.. فهي تشكل تهديدًا لنا؛ إذ تتركنا مستعدين استعدادًا فوق اللزوم تجاه صراعين محددين، بينما تتركنا على الوجه الآخر غير مستعدين تمامًا لأي من تحديات القرن الحادي والعشرين غير المتوقعة.

ومن أجل ضمان توافر الموارد التي تؤهلنا للتأقلم مع المستقبل، ومن أجل مواكبة التحديات الجديدة التي تهدد أمننا الداخلي، صرنا في أمسّ الحاجة إلى تقييم أكثر واقعية وأكثر اتزانًا لكل ما نحتاجه في حروبنا المستقبلية. فبدلاً من الحفاظ على قوتين للاحتلال، قررنا أن نركِّز أكثر على آلية الردع. كما قررنا الاستغناء عن قوة واحدة من القوتين، حتى نوفر جهودنا ومواردنا"للآخر"الذي هو في طريقه إلى التربص بنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت