فهرس الكتاب

الصفحة 828 من 27364

ثانيًا: الباعث التنصيري: قال ـ تعالى ـ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: 135] ، لا ريب أن التنصير أو (البشارة) ـ كما يسمونه ـ يحتل موقعًا مميزًا في الديانة النصرانية، وحين تبنى النصارى خيار الحوار؛ لم يكن ذلك تخليًا منهم عن وظيفتهم العتيقة، ففي الدستور الرعوي (الكنيسة في عالم اليوم) الصادر عن المجمع الفاتيكاني الثاني؛ جاء ما يلي: (تبدو الكنيسة رمز هذه الإخوة التي تنتج الحوار الصادق وتشجعه، وذلك بفعل رسالتها التي تهدف إلى إنارة المسكونة كلها بنور البشارة الإنجيلية) (2) .

ولما رأى بعض النصارى في الحوار خيانة للبشارة، أصدرت الكنيسة الكاثوليكية وثيقة بعنوان (حوار وبشارة) عام 1991م، جاء فيها: (إن المسيحين وهم يعتمدون الحوار بروح منفتح مع أتباع التقاليد الدينية الأخرى؛ يستطيعون أن يحثوهم سلميًا على التفكير في محتوى معتقدهم... نظرًا إلى هذا الهدف ـ أي قيام الجميع بارتداد أعمق إلى الله ـ يكون للحوار بين الأديان قيمته الخاصة، وفي أثناء هذا الارتداد قد يولد القرار بالتخلي عن موقف روحي أو ديني سابق لاعتناق آخر) (3) . أما «مجلس الكنائس العالمي» فقد صرح في كتاب (توجيهات للحوار) بالقول: (يمكننا بكل صدق أن نحسب الحوار كإحدى الوسائل التي من خلالها تتم الشهادة ليسوع المسيح في أيامنا) (4) .

ومن بين أربعين بحثًا قُدّمت في مؤتمر المنصرين البروتستانت لتنصير المسلمين عام 1978م؛ كان هناك بحث بعنوان: (الحوار بين النصارى والمسلمين وصلته الوثيقة بالتنصير) ، ناقش «دانيل آر بروستر» فيه هذه المسألة، وخلص إلى القول: (إذا شعرنا بأن شكلًا ما من أشكال الحوار يمكن أن يكون مفيدًا لكسب المسلمين؛ فعندئذ يكون مهمًا أن نبدأ الآن في تخطيط كيفية القيام بذلك) (5) .

ثالثًا: الباعث السياسي: قال ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) ن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 118 - 120] .

كان من أكبر الدوافع التي صاحبت انطلاق التقارب الإسلامي النصراني في عقد الستينيات؛ طغيان المد الشيوعي الملحد على العالم، وتهاوي معاقل النصرانية أمام الفكر المادي الكاسح، فرأى المعسكر الرأسمالي الغربي أن يدعم جبهة المتدينين، ويوحد صفوفهم لكبح جماح الشيوعية.

لقد وُلدت الدعوة إلى التقارب وولدت معها تهمة (الباعث السياسي) ، فقد قال مدير الأبحاث والنشر في (جمعية الأصدقاء الأميركان للشرق الأوسط) «إريك ولدمار» بين يدي مؤتمر (القيم الروحية للديانتين المسيحية والإسلامية) المنعقد في (بحمدون) في لبنان عام 1954م: «إن غاية المؤتمر واضحة جلية، وهي محاربة الإلحاد، والعمل على التقارب بين المسيحيين والمسلمين، وتوحيد القوى ضد التيارات التي تحاول النيل من عقائد هاتين الديانتين» (1) . وأفصح أحد أعضاء المؤتمر بجلاء عن الباعث الحقيقي خلف تلك التظاهرة، فقال: «إن العالم الحر اليوم ـ أكثر من أي زمن آخر ـ يحسب الحساب للتطورات العالمية، وازدياد خطر الشيوعية، وإن الولايات المتحدة الأمريكية تنظر بعين القلق إلى التطورات والأحداث الجارية في الشرق الأوسط، وترى من واجبها أن تقوم بكل ما في وسعها، كقائدة للدول الخارجة عن الستار الحديدي الشيوعي، للقضاء على الشيوعية التي أخذت تتفشى في الشرق الأوسط بشكل مريع» (2) .

ومن العجب أن المعسكر الشيوعي المقابل شهر الأداة نفسها في وجه خصمه الرأسمالي، فقد رعى الاتحاد السوفييتي وبقية دول المنظومة الشيوعية مؤتمرات مُسيَّسة للحوار الإسلامي النصراني؛ لمناقشة قضايا التسلح النووي، والاستعمار، والتنديد بالسياسات الأمريكية، كان عرّابها بطريرك موسكو وسائر روسيا الأرثوذكسي «بيمن» ، ومن الجانب الإسلامي مفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو.

كما أن الحكومات الغربية في عقد التسعينيات تبنت قضايا الحوار الإسلامي النصراني لتتمكن من دمج المهاجرين المسلمين في بنية المجتمعات الغربية، واتخاذهم ورقة ضغط على الحكومات الإسلامية لتقديم تسهيلات مماثلة؛ لتعزيز نفوذ الأقليات النصرانية في البلدان الإسلامية، ومهاجمة مشروع الدول الإسلامية، وتطبيق الشريعة.

u اتجاهات الحوار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت